مَن تطلُب؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

منذ حوالى ألفي عام، وفي صباح أحد القيامة، وجّه الرّبّ يسوع المسيح سؤالاً إلى مريم المجدليّة الّتي كانت تقف إلى جانب القبر تبكي، قائلاً لها: "يا امرأة، لماذا تَبْكينَ؟ مَنْ تَطلُبين؟" (يوحنّا 20: 15). وكأنّي بيسوع يوجّه هذا السّؤال إلى البشريّة المتألّمة جمعاء، إلى كلّ رجل وامرأة، إلى كلّ شابّ وفتاة. يقول لي ولك: مَنْ تَطلُب؟

ذات يوم، تراءى الرّبّ لسليمان الحكيم في حلم بعد اعتلائه سدّة العرش، بعد موت والده الملك داود، وقال له: "اسْأَلْ ماذا أُعطيك؟" (2أخبار1: 7). منذ فجر التّاريخ والإنسان يسعى نحو أهداف وأمور يعتبرها لبّ احتياجه، أو يظنّ أنّها كذلك. ويبقى السّؤال مدوّيًا: "مَنْ تَطلُب؟ اسأَلْ ماذا أُعطيك؟".

منّا مَنْ يطلب السُّلطة ويسعى وراء النّفوذ. وفي سبيل ذلك، قد يحطّم الآخرين في طريقه ويتجاهل القِيَم الأخلاقيّة والإنسانيّة للوصول إلى هدفه. وإذا كان الإنسان يضع نصب عينيه السُّلطة والقوّة والنّفوذ فقط، فإنّه قد يتحوّل إلى ذئب، فريسته التّقدير والسّلطان وجائزته النّاس. ومنّا مَنْ يطلب اللّذّة ويعيش لها ويُسكِنها في مِحراب روحه، ويتعبّد لها بكلّ جوارحه. إنّ مَن يعيش لشهواته العالميّة، شهوة العيون وشهوة الجسد وتعظّم المعيشة (1يوحنّا2: 16) فقد سقط في فخّ إبليس، ولا يكاد يشبع حتّى يجوع أو يرتوي حتّى يعطش من جديد. يقول الرّسول يوحنّا: "العالَم يَمضي وشَهْوَتُه". ويقول سليمان الحكيم: "كلّ الأنْهار تَجْري إلى البَحْر، والبَحْر ليس بِمَلآنٍ... العَيْن لا تَشْبَع مِن النَّظَر، والأُذُن لا تَمْتَلِىء مِنَ السَّمع..." (جامعة 1: 7–8).

ومنّا مَنْ يطلب الشّهرة، ويظنّ أنّها تحقّق طموحاته وتملأ فراغ قلبه. إذا كان الإنسان يرى أمامه الشّهرة فقط هدفًا، فهو يصبح كالمرآة، يعكس ما يحتاج إلى رؤيته ليربح القبول والاستحسان. ومنّا مَنْ يطلب المال ويسعى جاهدًا لتعبئة أكياسه المثقوبة منه، ويفني حياته سعيًا وراء ثروة وقتيّة وكنز أرضيّ سوف يفنى ويتدنّس ويضمحلّ يومًا ما (1بطرس1: 4). يقول الرّبّ يسوع: "لا تَكْنِزوا لَكُم كُنوزًا على الأرْض حَيثُ يُفْسِد السّوس والصّدَأ، وحَيثُ يَنْقُبُ السّارِقون ويَسْرِقون. بلِ اكْنِزوا لَكُم كُنوزًا في السّماء" ( متّى 6: 19-20).

إنّ طالِبي اللّذّة والسُّلطة والمال والشّهرة سوف يصلون إلى نتيجة واحدة: عدم الاكتفاء.

اسأل ماذا أعطيك؟ مَنْ تطلب؟

يقول الكتاب المقدّس: "اطْلُبوا الرّبّ ما دامّ يُوجَد. ادْعوهُ وهو قَريبٌ" (إشعياء 55: 6). يصير الإنسان إنسانًا حقًّا عندما يطلب خالقه، فيُتمّم قصد الرّبّ في حياته. وحينها، لا تعود الأسئلة المتعلّقة بالموت والحياة والمصير والمستقبل واليوم والغد تؤرِقه، لأنّه وصل إلى النّبع الّذي يُزوِّده بالحكمة وبكلّ نعمة يحتاج إليها في الحياة. يقول بولس الرّسول: "ولَكِنَّني أفْعَل شيئًا واحِدًا: إذْ أنا أنْسَى ما هو وَراءُ وأَمْتَدّ إلى ما هو قُدّام. أسْعَى نَحو الغَرَض لأجْلِ جَعالَة دَعْوَة الله العُليا في المسيح يَسوع" (فيلبّي3: 13-14).

AddToAny