مَن يتسلّط على حياتنا: النّساء أم الخمرة أم القوّة أم الحقّ؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

لِمَن الحكم في حياتنا؟ ما هي الأمور الّتي تتسلّط علينا أو تؤثّر في قدرتنا على اتّخاذ القرارات؟ وهل نحن نُحسن التّحكّم في حياتنا، كمواطنين عاديّين أو كحُكّام؟ يُحاول الّذين يشتغلون في اللاّهوت السّياسيّ مناقشة هذا الموضوع بعمق، من خلال دراسة ما جاء في التّاريخ المقدّس من قصص وحوادث بارزة تُساعد على فهم كيفيّة صناعة القرارات والأحكام. ونُقِرّ بأنّ معظمنا يدّعي أنّه يحكم بالحقّ، ولا يُحبّ سوى الحقّ، ويتمسّك به بلا زيادة أو نقصان، بينما في الواقع قليلون هم الّذين يأخذون قرارات مُحقّة باستمرار.

وفي بحثه في هذا الإطار، سأل "توما الأكوينيّ" في القرون الوسطى: "مَن الأقوى: الحقّ، الملِك، النّساء، أو الخمرة؟" وفي نقاشه لهذا السّؤال، كان في ذهنه قصّتان "بيبليّتان" حول هيرودس والمعمدان وبيلاطس والمسيح، وقصّة ثالثة من التّراث العبرانيّ، حيث يُسأل: "مَن أقوى؟ هل الحقّ أقوى من الخمرة أو من الملِك أو من النّساء؟" ويأتي الجواب إنّ: "الحقّ أقوى من الملِك" (2إسدراس 4: 35). لكن، ماذا نقول لو تغلّبت الخمرة على الملِك، وجعلته ينصاع لامرأة، تُخرجه عن طاعة الحقّ، فلا يعود يحكم بحسب الحقّ، ويُهدَر الحقّ أمام قوّة الخمرة؟ أليس هذا ما حصل في مجلس الشّراب في بيت أحشويروش، فتسلّطت عليه ("ولمّا طابَ قلبُ الملِك بالخمر"، فأحبّ أن يستعرض "وَشْتي" زوجته الجميلة أمام ضيوفه، وهي إذ أبت ذلك، طلّقها، أستير 1: 10، 19). أليس هذا ما حصل في بيت هيرودس عندما انصاع لهيروديّا فأعطاها رأس المعمدان؟ أليس هذا ما حصل في دار بيلاطس عندما لم تسمح له شهوة البقاء في السّلطة أن يحكم بالعدل، فأسلم يسوع ليُصلَب؟ مَن حَكَم في حياة هؤلاء الملوك؟ ومَن يحكم في حياتنا؟

عدم تساوي الخمرة والأهواء والبشر والحقّ

ما يجب أن نُبقيه في أذهاننا هو عدم تساوي هذه الأربعة: الخمرة والأهواء (بما فيها الشّهوات الجسديّة وشهوة السّلطة والقوّة) والنّاس والحقّ. من السّهل لنا أن نوافق على هذا المبدأ فنُقرّ: نعم هذه الأربعة لا تتساوى. الحقّ يعلو ولا شيء يعلو عليه. ولكن ما هو الحقّ؟ وكيف نعرفه ونُحافظ عليه عندما تكون مصالحنا في الميزان، أو عندما يكون عقلنا مترنّحًا تحت تأثير المسكِر أو الشّهوات أو النّاس الفاسدين من حولنا، ونسمح لأنفسنا بأن نقع تحت تأثير هذه كلّها؟ يُختتم سفر الأمثال بتحذير مَلِكة لابنها الشّابّ من الوقوع تحت تأثير النّساء والمسْكِر (أمثال 31: 1- 6). أمّا الملك سليمان فلم يأخذ بنصيحة أمّه، وساوى بين هذه والحقّ، وسمح للنّساء، وبالتّالي، للأهواء بالتّسلّط عليه فخرّبت حياته "وعَمِل سُليْمان الشّرّ في عينَي الرّبّ، ولَمْ يَتْبع الرّبّ تَمامًا" (1ملوك 11: 1-6).

إنْ تسلّط على الملِك غير الحقّ خرب هو، وخربت أحكامه، وخربت مملكته. وكذلك إن تسلّط على المؤمن غير الحقّ خربت حياته. لذا، يجب ألاّ تتساوى هذه الأربعة في حياته. فلكلّ واحدة من هذه تأثير حقيقيّ وتسلّط نهائيّ. والثّلاثة الأولى يمكن أن تُسيطر على قلب الإنسان وتُغيّر المفروض والحقّ، وتجعل حتّى الملِك يَحيد عن الحقّ. نُلاحظ أنّ الخمرة والشّهوات تُسيطر على الجسد والنّفس (القوّة المُحرّكة للجسد)، وبعدها لا تعود قدرة الإنسان على التّحكيم واتّخاذ القرارات الصّائبة مستقلّة وقادرة، فينحدر الإنسان ويصير تحت حكم ما لا يجب أن يَحكم، ويتسلّط عندها "الدّنيء على الشّريف" (إشعياء 3: 5). يجب ألاّ نستخفّ بخطورة تأثير "الخمرة والأهواء والبشر" فينا. هذه تقوى على الحقّ في حياتنا، وعلى قدرتنا على التّمييز واتّخاذ القرارات الصّائبة.

التّركيبة المعقّدة للبشر

ما يجب أن نعرفه ونظلّ نفتكر فيه، هو أنّ تركيبتنا غير بسيطة وهي تتألّف من روح ونفس وجسد. وهناك مبدأ الحياة فينا، وهناك العقل والذّهن، وهناك الجسد بأعضائه الفيزيائيّة. نحن لا نستخفّ بقوّة الحياة الّتي تُبقينا أحياء، ويجب ألاّ نستخفّ بقوّة العقل والأفكار والإرادة، وبالقوّة الكبيرة الّتي تُسيّر حياتنا، لكن أيضًا يجب ألاّ نستخفّ بقوّة الأهواء وتسلّطها على أجسادنا. ونعود إلى السّؤال الأساسيّ: مَن يتحكّم فينا؟ هل العقل والذّهن أو الجسد والأهواء؟ وإن كان العقل، فهل هو دائمًا متجرّد وصائب؟ وماذا لو كنّا نحكم بناء على معطيات خاطئة؟ لقد جاء اليهود مُسلّمين يسوع لبيلاطس. أمّا هو فحاول أن يعرف ما شكايتهم ضدّه. هم قدّموا افتراءات كاذبة، "وقالوا لهُ: لو لَمْ يكُنْ فاعِلَ شرٍّ لَما كنّا قد سَلّمْناه إليكَ!" أمّا بيلاطس فلم يكن من النّاس الّذين اعتادوا التّأثّر السّريع بكلّ ما يسمعه. لقد كان يُدقّق ليعرف الحقّ المُجرَّد، حتّى أنّه سأل يسوع: "ما هو الْحَقّ؟" (يوحنّا 18: 38). وإذ لم يجد ما يدين يسوع قال لهم: "أنا لسْتُ أجدُ فيه عِلّة واحدة". وهذا كان نتيجة بحثه الذّهنيّ المُجرّد. فكان تحكيمه صائبًا. لقد أراد أن يُطلقه. لكن عندما عادوا وهدّدوه بوظيفته أسلمه لهم ليُصلَب.

يا لهذا القرار الخاطئ الّذي ذهب فيه الحقّ ضحيّة أمام مصلحة فرديّة. ونرى هنا بيلاطس يضيع بين الحقّ المنطقيّ المُجرَّد ومصالحه الشّخصيّة، فتنتصر المصلحة الفرديّة ويُبَرّر تصرّفه غير المحقّ، والّذي صار تصرّفًا قانونيًّا (قرارًا جائرًا)، وصَلَب المسيح! هكذا أيضًا راحت الملكة "وَشْتي" ضحيّة انتصار لعنفوان زوجها المستهتر الّذي لا قيمة للكرامة والعفّة عنده. وهكذا راح يوحنّا المعمدان ضحيّة إنسان تسلّطت عليه الخمرة والنّساء الفاجرات! إنّ هذه التّركيبة المعقدّة للبشر، حيث يتداخل العقليّ بالنّفسيّ وبالجسديّ، تحتاج إلى عمل تصحيحيّ يفصل بين المَلَكات المختلفة ويضع كلّ واحدة منها في موقعها، لتُمارِس دورها تحت سلطان مَن يجب أن يملك بينها. فبينما كان يجب أن يملك الحقّ في حياة الملِك، مَلَكت الخمرة والشّهوة والمصلحة والعنفوان. وعندما ساءت العلاقة بين هذه والعقل والحقّ والعدل في حياة هؤلاء الملوك، ذهب الحقّ والبِرّ والعدل والأبرار ضحايا. ونبقى حيارى أمام عدم انتصار الحقّ والبِرّ في معادلة تبدو بسيطة. ونندهش عندما لا تعود كنيسة المسيح كجماعة، أو المؤمنون بالمسيح كأفراد، قادرين على أن يحكموا بالحقّ! وبدلاً من أن يَحكم بالحقّ مَن ننتظر منهم أن يكونوا مُحقّين، يُحرّفون القضاء لمصلحة شخصيّة في نفوسهم.

ونسأل: ما الّذي يدفع إنسان عرف الحقّ أن لا يحكم بموجبه؟ ما الّذي يدفع إنسان تربّى على الحقّ أن لا يعيش بموجبه؟ نحن لسنا نُعالج هنا موضوع الحُكم والسّلطة، بل نُعالج موضوع الحُكم في حياتنا. لماذا لا ينتصر الحقّ في حياة الإنسان والمجتمع؟ هناك شبكة من الأمور المعقّدة الخفيّة في حياة النّاس يجب البحث عن خيوطها. فكما قيل بالفرنسيّة: Chercher La Femme بالإمكان القول أيضًا: Chercher L’Argent. لا يعترف أحد أنّ خلف سوء أحكامه حبّ المالّ الّذي هو أصل لكلّ الشّرور، أو الشّهوة الرّديئة وحبّ النّساء والمُسْكِر الّذي يستعبده، أو حبّ السّلطة والظّهور. لكن، هذه هي الحقيقة إنْ لم يحبّ الناس الحقّ ويُفضّلوه فوق أيّ شيء آخر. هذا ما يُفسّر سبب مجيء المسيح (النّور الحقيقيّ الّذي يُنير كلّ إنسان) ومحبّة النّاس للظّلمة أكثر من النّور، لأنّ أعمالهم كانت شرّيرة (يوحنّا 1: 10-11).

سُلَّم القيادة وتسلسل السّلطات

ونعود إلى السّؤال: مَن يحكم في حياتنا وسلوكنا وأحكامنا؟ هل هو الحقّ أو الخمرة أو النّساء أو شهوات أخرى؟ نحن نعرف من كلمة الله أنّ كلّ سلطة هي نابعة من فوق. يقول بولس الرّسول في رسالته إلى أهل رومية:

"لتَخْضَع كلّ نفْس للسّلاطين الفائِقة لأنّه ليْس سُلْطان إلاّ من الله والسّلاطين الكائِنَة هي مُرَتّبة من الله حتّى إنّ مَن يُقاوِم السّلْطان يُقاوِم تَرْتيب الله... لأنّه خادم الله للصّلاح!" (رومية 13: 1-4).

إذًا، الملك سلطانه من عند الله، وهو خادم الله للصّلاح. الله والصّلاح يجب أن يتحكّما بعقله، ومن ثمّ يتحكّم عقله بقوّته وبأحكامه وبجيشه. لكن، في قصص أحشويروش وهيرودس وبيلاطس، نرى أنّ ما تَحكّم بهم لم يكن الحقّ ولا الصّلاح ولا الله، بل تغيّر سُلَّم السّلطات في حياتهم، فجاءت أحكامهم سيّئة.

يُحكى من التّراث العبرانيّ اليهوديّ قصّة ثلاثة شبّان يطرحون الأسئلة في محضر الملك الفارسيّ داريوس، وكانوا يبحثون في مَن هو أقوى. أحدهم قال: الخمرة أقوى، لأنّها إن تسلّطت على الملِك جعلته كالولد. وثانيهم قال: الملِك أقوى لأنّه يُحرّك الجيوش الّتي تُطيعه. وثالثهم قال: النّساء أقوى، لأنّها تتسلّط على الملِك وتُديره، لكنّ الحقّ أقوى من الملِك! ويُقال إنّ هذا الثّالث كان زَرُبّابل حفيد يهوياقيم آخر ملوك يهوذا قبل السّبي. وكان الملِك، يومها، مُستَعبَدًا من خليلته الّتي أخذت التّاج عن رأسه ووضعته على رأسها. واستهزأ زَرُبّابل بالملِك وضغط عليه ليُنهي علاقته بعشيقته. فما كان من الملِك إلاّ أن سأله: "قُل ماذا تُريد؟" فقال له: "تَمِّم وعودك لإله السّماوات وإله الحقّ، فالحقّ أقوى". وهكذا، عاد الملك وأمر بإعادتهم من السّبي وبناء الهيكل!

يجب أن نتعلّم إعادة تسلسل السّلطات لما يجب أن يكون عليه في حياتنا. لقد كان هؤلاء ملوك ولم يعرفوا ما الّذي يجب أن يتحكّم فيهم. ونحن بدورنا ملوك وكهنة (1بطرس 5: 5، 9). وعلينا أن نعرف أن نُحدّد مَن يَملُك على حياتنا وتفكيرنا وتحكيمنا؟ لا يجوز أن نكون كبيلاطس نسأل عن الحقّ ولا نعمل به عندما نعرفه. كتب بولس لأهل فيلبّي:

"أخيرًا أيّها الإخْوة كلّ ما هو حَقّ، كلّ ما هو جَليل، كلّ ما هو عادِل، كلّ ما هو طاهِر، كلّ ما هو مُسِرّ، كلّ ما صيتُه حَسَن إنْ كانت فضيلة وإنْ كان مَدْح، ففي هذه افْتكِروا. وما تعلّمتُموه، وتَسلّمتُموه، وسَمعتُموه، ورأيتُموه فِيَّ، فهذا افْعَلوا، وإلهُ السّلام يكون مَعَكُم" (فيلبّي 4: 8-9).

علينا أن نجعل روح الله يُسيطر علينا. لكن أيضًا علينا أن نسمح للحقّ ولكلّ الفضائل أن تُسيطر علينا وتُسيّرنا. عندما تكلّم يسوع على الحقّ، وصفه بطريق، وقال: "أنا هو الطّريق والحقّ والحياة"، وأمر أن نسير فيه. عندما يقوى الحقّ في حياتنا ويُخضَع كلّ شيء تحته، تستقيم حياتنا في البِرّ والفضيلة والصّلاح والأخلاق والإيمان والعدل والعلاقات الطيّبة مع النّاس. إنّ الخمرة والمصالح الشّخصيّة والشّهوات وحبّ المال والسّلطة والجاه والقوّة كلّها تَحكُم علينا فتُبعِدنا عن الحقّ، أمّا إن تمسّكنا بالحقّ وأبعدنا عقولنا وأرجلنا عن الباطل، لَحَكَم الحقّ في حياتنا وكان إكليل حياة لنا.

AddToAny