ناسو الله

الكاتب:
العدد:
السنة:

اعتقدتُ لفترة طويلة أنَّ من ينسى الله إنسان بعيد كل البعد عن الربّ وأموره، مُلحِدٌ بالممارسة أو غير مهتم بموضوع الدين عامة. ومن غير الضروري أن يكون رفض الله أو العداء له سبباً لعدم الاهتمام، بل قد يتأتّى ببساطة عن فُقدان الأمل من إمكان الوثوق بحقيقة وجوده والتواصل معه. وظننتُ طويلاً أن هؤلاء يُمَثِلون فقط فئة البشر الذين "نسوا الله"، إلى أن اتضحت لي الصورة أكثر أثناء دراستي للكتاب المقدس، واكتشفت أن هذه الفئة تضم الكثير من المُتدينين على أنواعهم، العابدين والمُصلين الذين يندرجون تحت فئة "المؤمنين".

ينسى اللهَ من يظن أنَّه إله يتغاضى عن التفاصيل الصغيرة والثانوية في الحياة، وأنه لا يهتم إلاَّ للأمور الكبيرة الأساسيَّة.

يؤكد الكتاب المقدس أنَّ الله سيُحاسب الإنسان على كُل عمل وعلى كُل فكر وعلى كُل كَلِمة. فهو لا يتغيَّر، وأطهر من أن ينظر الشر، ولن يقترب منه إلا المُستقيم. لا يَنسى شيئًا، بل مُدَوَّن عِندَه في الأسفار كُلّ شيء. يقولون عنه "عقله كبير ومُتفَهِّم"، وينسون إعلانه عن قداسته ومشيئته وكرامته التي لا حدود لعظمتها. هو يقول بوضوح للإنسان المُستهتر "مَا لَكَ تُحَدِّثُ بِفَرَائِضِي وَتَحْمِلُ عَهْدِي عَلَى فَمِكَ وَأَنْتَ قَدْ أَبْغَضْتَ التَّأْدِيبَ وَأَلْقَيْتَ كَلاَمِي خَلْفَكَ ... هَذِهِ صَنَعْتَ وَسَكَتُّ. ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ. أُوَبِّخُكَ وَأَصُفُّ خَطَايَاكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ. افْهَمُوا هَذَا يَا أَيُّهَا النَّاسُونَ اللهَ لِئَلاَّ أَفْتَرِسَكُمْ وَلاَ مُنْقِذَ." (مز 16:50-22).  ينسى اللهَ من يتجاهل غضبه ولا يتذكَّر إلا محبَّته وفداءه وغفرانه. من يُلام على النسيان أكثر، البعيد أو القريب؟ ألا يتكرر الحديث في النبوات عن غضب الخروف والحمل! ألم يتكرر مشهد النسيان هذا كثيرًا بين الله وشعبه "لَمَّا رَعُوا شَبِعُوا. شَبِعُوا وَارْتَفَعَتْ قُلُوبُهُمْ لِذَلِكَ نَسُونِي. فَأَكُونُ لَهُمْ كَأَسَدٍ. أَرْصُدُ عَلَى الطَّرِيقِ كَنَمِرٍ." (هوشع 6:13-7).

إلهنا لا يقبل بأقل من الطاعة والإتّباع الحقيقي والمحبة من كل القلب. فهو لم يأتِ من السماء ليفتدي المُرائين والمُدَّعين بل المساكين والتائبين. لم يأتِ ليكون ضيفًا أو مستشارًا أو زعيمًا، بل جاء ليكون مخلِّصًا لشعبه من خطاياهم، ومُغَيّرًا لحياتهم. جاء ليحرر من عبودية الخطية ويعطي قدرة على حياة التقوى والبر.   

الله قريب ويتكلم ويُسمع صوته لمن يرغب وأولاده عزيزون عليه، فحتَّى شعور رؤوسهم محصاة عنده. هو مع شعبه كُل الأيام كما وعد، لكن المُشكلة هي في أفعال هذا الشعب وأقواله "هَلْ تَنْسَى عَذْرَاءٌ زِينَتَهَا أَوْ عَرُوسٌ مَنَاطِقَهَا؟ أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ نَسِيَنِي أَيَّاماً بِلاَ عَدَدٍ." (إر 2:32).