نظريّة التّطوّر والإرتقاء

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

لعلّ من أغرب مفارقات تاريخ العِلم، هو أنّ نظريّة خالية من أيّ إثبات علميّ، كنظريّة التّطوّر لداروين، تصير مقبولة على نطاق عِلميّ وكحدث عِلميّ مؤكَّد. ما حقيقة هذه النظريّة؟ وهل يُمكن قبولها كحقيقة مُبرهنة؟

العِلم هو المعرفة المبنيَّة على البحث والمراقبة والاختبار. وبما أنّه يستحيل مراقبة أصل الكون والأرض والحياة واجراء اختبارات عليها، من دون ذكر أصل الوعي أو النّفس، لذلك يمنع تحديد العِلم من أن تتّصف به هذه النّظريّة. وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ أقوى حجّة ضدّ الكتاب المقدّس هي الاعتقاد السّائد بأنّ التّطوّر قد أُثبِت عِلميًّا، وبذلك ينقُض إعلان الكتاب المقدّس عن الخَلْق. وهدفنا في هذا المقال هو إظهار نظريّة التّطوّر على أنّها نظريّة عِلميّة غير صحيحة.

إنّ أفضل تعريف للعِلم هو التّالي: "المراقبة المنهجيّة للتّرابط بين العلاقات الفيزيائيّة في الحاضر، والعوامل الطّبيعيّة المتعلّقة بخصائص المادّة، مع القوى الطّبيعيّة وظاهرة الحياة". قد يستطيع العلماء تخمين أو تقدير حقائق عن الماضي أو المستقبل، ولكنّهم لا يستطيعون سوى مُراقبة الحاضر. أمّا البحث في الأصول، بحسب نظريّة التّطوّر أو نظريّة الخَلْق، فهو في خارج مجال البحث العلميّ الصّحيح. فنظريّة التّطوّر إذًا ليست عِلْمًا، بل فلسفة دينيّة (على الرّغم من إصرار أتباعها على كونها عِلمًا). وهذا واضح من خلال التّعريف الكلاسيكيّ لها على لسان "سير جوليان هاكسلي"، الّذي قال: "تُحدَّد نظريّة التّطوّر، بمضمونها الأشمل، كعمليّة مباشرة باتّجاه واحد في الزّمن، والّتي، بمسيرها، تسبّب نموًّا تعدّديًّا وتنظيمًا أعلى. وتُرغمنا معرفتنا الحاليّة على الإقرار بأنّ التّطوّر يشمل كلّ شيء، كعمليّة فريدة لتحوّل ذاتيّ".

نظريّة التطوّر: علم أم إيمان؟

إنّ كلّ ما يشمل "كلّ شيء" هو فعليًّا فلسفيّ أو دينيّ. وقد يكون "هاكسلي" أشهر قائد لتيّار التّطوّر، ولكن، لكي نكون مُنصِفين، علينا أن نسمع لعالِم آخر هو "ثيودوسيوس دوبجانسكي"، وهو كاتب مشهور في موضوع التّطوّر الوراثيّ "Evolutionary Genetics"، الّذي قال: "يشمل التّطوّر كلّ مراحل نموّ الكون: الفضائيّ والبيولوجيّ والبشريّ والثّقافيّ. إنّ حصر التّطوّر بعِلم الأحياء لا مبرِّر له، فالحياة هي نتيجة تطوّر الطّبيعة غير العضويّة، والإنسان هو نتيجة تطوّر الحياة". إذًا، تُعتبر نظريّة التّطوّر عِلمًا كونيًّا شامِلاً، يهدف إلى تفسير أصل كلّ شيء ومعناه وهدفه. وهذا ما يُعتبَر عِلميًّا كأساس خصائص الدّين، ومع ذلك، يُصِرّ "هاكسلي" على اعتباره عِلمًا، إذ يقول: "إنّ أوّل ما ينبغي الإشارة إليه في نظريّة "داروين" هو أنّها لم تعُد نظريّة، بل أصبحت واقعًا؛ فلَنْ يُقدِم أيّ عالِم على إنكار حقيقة دوران الأرض حول الشّمس".

ونسأل الدّكتور "هاكسلي" إن كان على الأقلّ يعتبر التّطوّر وسيلة الله في الخَلْق، إذا قبِلنا كلّ تفاسيره عن الاختيار الطّبيعيّ وتاريخ التّطوّر وغيرها، ألا يصحّ إذًا أن يكون الله هو مُبدئ العمليّة وحافظها؟ يُجيب "هاكسلي" سلبًا بالقول: "تنفي نظريّة "داروين" مجمل فكرة الله كخالِق كلّ الكائنات من مجال النّقاش العقلانيّ. فقد نفى "داروين" الحاجة إلى مُخطِّط فوق الطّبيعة "Supernatural Designer"، إذ إنّ الاختيار الطّبيعيّ يعمل في كلّ أشكال الحياة المعروفة، ولا مكان لعامِل فوق الطّبيعة... وأظنّ أنّه يمكننا أن ننفي تمامًا فكرة عقل مُدبِّر فوق الطّبيعة مسؤول عن كلّ ظاهرة التّطوّر". إذًا، هل نستطيع كمسيحيّين قبول نظريّة التّطوّر كوسيلة الله في الخَلْق؟

لماذا لا يمكن برهنة نظريّة التّطوّر؟

·       إذا كان التّطوّر يحدث الآن، فهو يعمل بشكل أبطأ جدًّا ممّا يمكن قياسه، وهو إذًا خارج مجال العِلم، ويحتاج الانتقال من كائن إلى آخر أعلى مستوى إلى ملايين من السّنين، ولا يمكن لأيّ فريق عِلميّ أن يتابع البحث طوال هذه الفترة.

·       إنّ التّغييرات الصّغيرة الّتي تحدث اليوم في الكائنات لا تفيد هذا البحث، إذ لا مجال لإثبات أنّها قد تغيّر هذه الكائنات إلى أنواع أخرى أعلى مستوى منها. إنّ هذه التّغييرات الصّغيرة، بما في ذلك التّغيير الإحيائيّ المفاجئ "Mutation"، متوقّعَة حتّى في نظريّة الخَلْق، فهي إذًا لا تنقض أيّ نظريّة ولا تثبتها.

·       حتّى لو تمكّن العلماء من إتمام عمليّة الخَلْق الاصطناعيّ للحياة من اللاّحياة، أو خَلْق نوع أعلى مستوى من آخر أدنى منه، فإنّه لا يُثبِت أنّ هذا ما حدث فعلاً في الماضي كظاهرة طبيعيّة عشوائيّة، بل إنّ الخَلْق هو نتيجة عقل مُدَبِّر.

بما أنّ العلماء، أنصار هذه النّظريّة، يُصرّون على كونها علميّة، بينما نظريّة الخَلْق هي دينيّة، فمن المفيد أن نذكر ما قاله "دوبجانسكي": إنّ تطبيق الوسائل الاختباريّة لدراسة عِلميّة تاريخيّة هو أمر غير ممكن بسبب الفترة الزّمنيّة الّتي تتطلّبها، والّتي تفوق جدًّا حياة أيّ باحث بشريّ. وهذا المستحيل هو ما يطلبه أعداء هذه النّظريّة في سؤالهم عن إثباتها، إذ عليهم أن يقبلوها، كما هي، ويعتبروها كافية".

لماذا إذًا تُفضَّل نظريّة التّطوّر على غيرها من النّظريّات؟

يُجيب عالِم الأحياء البريطاني الشّهير "بروفسور واتسون": "إنّ نظريّة التّطوّر مقبولة عالميًّا، ليس لأنّه يمكن إثباتها بأساليب منطقيّة، بل لأنّ الخيار الوحيد الآخر (نظريّة الخَلْق) هو ببساطة لا يُصَدَّق". إنّ ما يُؤهِّل إنسانًا ما للقول بأنّ الخَلْق لا يُصَدَّق، هو معرفته الكافية لإعلان عدم وجود إله، والّذي يفترض المعرفة الكاملة. وهكذا، وبإنكاره لله، ينسب "واتسون" لنفسه صفات الله. وعلى الرّغم من ذلك، فقد وجد بعض العلماء أنّه من الأسهل أن يُؤمنوا بلاهوت خالِق كلّيّ القدرة على أن يُؤمنوا بلاهوت البروفسور "واتسون".

AddToAny