هذا ما اقترفته أيدينا

العدد:
السنة:

نهوى، نحن اللبنانيون، أن نفتخر بأننا أبناء لبنان الحلو وشعب الأرز الخالد. لكن ما الذي بقي منهما لنفتخر به؟ استيقظت في ذات يوم وغابة الأرز قبالة شرفتي متشحة ببياض الطبيعة بعد هدوء العاصفة الثلجية وجلاء الغيوم، وصرت أتأمل في روعة لبنان وأرزه، وتذكّرت ما جاء عنهما في الكتاب المقدس. وتساءلت: ماذا بقي لنا من تلك الصورة المجيدة؟ فمياه لبنان الحيّة المتدفّقة من جباله لوثتها قذارة الأدنياء وصار شعبه يستعطي المياه العذبة ليشرب (نشيد 4: 15). ورائحة لبنان الشذية التي كانت شفاء للعليل دفنتها روائح النتن القاتلة المنبعثة من مزابله المنتشرة في شوارعه (نشيد 5: 11). ولبنان خدور الأسود وجبال النمور صار وكراً للسفهاء وملاذاً للصوص، وتكاد ساحاته تخلو من الشرفاء (نشيد 4: 8). أين هو لبنان البهي الطلعة كالأرز وقد شوهه أهله والذين احتضنوهم، وهدموا سياجه، فهرِم خجلاً (نشيد 5: 15).

 

ماذا نقول اليوم للكبار الذين مدحوه بالأمس؟ عذراً منك يا شاعرنا الكبير، يا من كتبت "لبنان إن حكى". فلبنانك يتلوّى، لا يقوى على الكلام، فقد أبكموه، ولا ندري إن كان قد صمت إلى الأبد؟ ونعتذر منك يا من غنّيت "لبنان يا قطعة سما عالأرض تاني ما إلا،" لأن حال بلادنا صارت أشبه بالجحيم أكثر مما تشبه السماء. حتى بتنا نتساءل إن كان سيتحقق يوماً رجاء من تفاءل قائلاً: "راجع، راجع يتعمّر، راجع لبنان" فالبلد الذي أحبّه ذهب والى الآن لم يعد. ولا نعرف إذا كان سيعود! وماذا نقول لناظم النشيد الوطني وقد أعلن: "كلنا للوطن؛" فأين هم الذين يتحدون لخدمة لبنان بالقول والعمل؟

 

وشرعت أفكّر: ما ذنب لبنان، يا ترى، ليلحق به كل هذا العار؟ ولم أصل إلاّ إلى جواب واحد قدّمه الكتاب المقدس: "عار الشعوب الخطية". أما خطية لبنان فهي الكبرياء. وهي خطية الخطايا التي أذلّت الكثير من الشعوب ودمّرت الكثير من البلدان. خطايا الكبرياء والتشامخ والتعالي أحدرت هذا البلد الجميل من المجد إلى الهوان، إذ "قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح". وما أصابنا نحن اللبنانيين من ذلّ سببه كبرياؤنا وما اقترفناه بحق الله ولبنان وبعضنا البعض.

 

ونتساءل: هل من شفاء؟ نعم يوجد! يقول السيّد الرب: "توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم ولا يكون لكم الإثم مهلكة" (حز 18: 30). إن لم يتب شعب لبنان ومسؤولوه فليس لهم فجر جديد بل هلاك مؤكد.

AddToAny