هل ما زالت المرأة الفاضلة موجودة؟

العدد:
السنة:

في عصر التقدّم والحريّة والحقوق الفرديّة

هل ما زالت المرأة الفاضلة موجودة؟

أن تكون المرأة فاضلة، فهذا تحدٍّ لها في عصرنا، كما في جميع العصور. ربّما تبدو العبارة "المرأة الفاضلة" غريبة على مسامعنا في هذه الأيّام، حيث أصبحت عبارات مثل: "المرأة الذّكيّة" أو "المرأة العامِلَة" "Businesswoman" أو "المرأة الموهوبة" أو "المرأة المطلّقة"...، عبارات مشهورة ومألوفة ومُستخدمة أكثر. لكن، في النّهاية، يبقى التّحدّي الأكبر للمرأة، بخاصّة المؤمنة، أن تكون "فاضِلة". أقول إنّه تحدٍّ، لأنّ الكتاب المقدّس يرى أنّ "ثمنها يفوق اللآلئ". ونحن نعلم انّ استخراج اللّؤلؤ من أعماق البحار يحتاج إلى تحدّ وشجاعة وتعب ورغبة في اقتناء هذا الكنز، إلاّ أنّ الأمر ليس بمستحيل.

إذًا، المرأة الفاضلة، وعلى الرّغم من أنّها ثمينة، لكنّها موجودة. وهي امرأة:

تتّقي الرّبّ

بحسب سفر الأمثال (31: 30)، المرأة الفاضِلة هي المرأة الّتي "تتّقي الرّبّ"؛ أي إنّها تخاف الرّبّ وتهابه وتحترمه. الرّبّ مهمّ في حياتها؛ فهي تعرفه حقّ المعرفة، وتعرف كلمته وتُطبّقها في حياتها. معرفتها للرّبّ عمليّة، وحياتها حياة تعبُّد له. هو الأوّل في حياتها، وهذا ظاهر في طريقة عيشها في البيت ومسلكها في الحياة. هي تدرك أنّ فرح أهل بيتها وخيرهم يعتمدان على علاقة جيّدة بينها وبين الرّبّ. زينتها الحقيقيّة بالنّسبة إليها هي التّقوى. مثال على ذلك: حنّة، أمّ صموئيل، الّتي كانت ضليعة في معرفة الله وكانت تهابه وتجلّه (1صموئيل 1: 15-16، 24-28؛ 2: 1-10)، وتُطيعه ، ومريم الّتي اختارها الرّبّ، بسبب تقواها، كي تكون أمّ يسوع المسيح (لوقا 1: 30-38، 46-55).

إنّ التّقوى هي من الصّفات الأساسيّة الّتي تميّز المرأة الفاضلة عن سواها، حتّى إنّ الرّبّ أمر بالتّقوى كزينة حقيقيّة لها (1بطرس 3: 3-4؛ 1تيموثاوس 2: 9-10).

الطّهارة سيرتها

إنّها امرأة طاهرة، نقيّة، عفيفة، صافية، لا ممسك عليها، مُخلِصة. هي امرأة "بها يَثِق قلب زوجها" (أمثال 31: 11)، "وتَصنَع له خَيرًا لا شَرًّا كلّ أيّام حياتها" (31: 12)، لأنّها نقيّة القلب والفكر. هي ليست كامرأة "شمشون" (قضاة 14: 10-19) الّتي أفضت بسِرّ زوجها لأعدائه وسبّبت له المشاكل. بها يفتخر زوجها ولا يستحي، إذ هي "تاج" له، بحسب أمثال 12: 4. امرأة كهذه هي "من عند الرّبّ" (أمثال 19: 14)، ومَن يجدها ينَل "رِضًى من عند الرّبّ" (أمثال 18: 22).

يطلب الرّبّ من المرأة، في تيطس 2: 3-5، أن تكون "في سيرة تليق بالقداسة"، فتكون مُتعَقِّلَة وعفيفة، ملازمة بيتها، صالِحة وخاضِعة لِرَجُلِها. وأن تكون طاهِرة "لكي لا يُجدَّف على كلمة الله"؛ فالرّبّ يطلب الطّهارة.

الاجتهاد حليفها

تعمل بنشاط وحيويّة، فلا تهدأ حتّى عندما يكون الجميع نيامًا (أمثال 30: 18)، وتهتمّ بمصلحة عائلتها وتأمين حاجيّات أهل بيتها.

في القديم، وعلى الرّغم من وجود آلات للحياكة، كانت المرأة المجتهدة تُعرَف من خلال ما كانت تَخيط وتُلبِس أهل بيتها، فهي "تطلب صوفًا وكتّانًا..." (أمثال 31: 13-15، 19). كما كانت تهتمّ أيضًا بترتيب نفسها وشكلها وأناقتها (أمثال 31: 22-25)، وتعمل حتّى خارج نطاق المنزل، كالتّجارة (أمثال 31: 16، 18، 24). ومثال على ذلك: راعوث، الّتي كانت تعمل بكدّ طول النّهار ولم تضيّع الوقت والفُرَص (راعوث 2: 6-7، 23)، وليديا، بائعة الأرجوان في فيلبّي (أعمال 16: 14-15) الّتي كانت، على الأرجح، تاجرة ماهرة. الله يُريدنا أن نكون مُجتَهدين وعامِلين، غير مُتكاسِلين أو مُتَّكِلين على الآخرين.

فمها ينطق بالحكمة

نقرأ في أمثال 31: 26: "تَفْتَح فَمَها بالحِكْمَة، وفي لِسانِها سُنَّة المَعْروف"؛ إنّها تنطق بكلمات الحكمة. لا تُشغل نفسها بالثّرثرة والأقاويل الّتي لا تبني، بل كلامها بحسب كلمة الرّبّ "صالِح للبُنيان حسب الحاجَة، كي يُعطي نِعمة للسّامِعين" (أفسس 4: 29).

إنّها تقيّة، تُعطي مشورة وفريضة صالِحتَين لأهل بيتها (أمثال 31: 15)، من خلال تعليمهم ناموس الرّبّ الّذي يُهيّئهم للحياة. نتذكّر ما قاله الرّبّ عن والدة تيموثاوس وجدّته، اللّتَين علَّمتاه كلمة الرّبّ منذ الطّفوليّة (2تيموثاوس3: 15)، فكان مُهيّأً ومُتأهِّبًا لكلّ عمل صالِح. أمّا المرأة الحكيمة، بحسب أمثال 14: 1، فهي الّتي تبني بيتها، كـ"أبيجايل" الّتي خلَّصَت بيتها من الخراب والدّمار عندما أدّت دور الوسيط بين داود وزوجها اللّئيم (1صموئيل 25: 3، 81-19). إنّ الرّبّ هو الّذي يُعطي الحكمة بحسب وعده في يعقوب 1: 5. فلنطلب الحكمة، وننتبه إلى التّفوّه بكلماتها.

لطيفة بامتياز

هي لطيفة في الكلام، إذ "في لسانها سُنَّة المعروف" (أمثال 31: 26). تتكلّم بلياقة وهدوء. لطيفة في التّصرّف، فاللّطف في حياتها "سُنَّة" أي ناموس ومُعتَقَد تؤمن به، ويؤثّر في كلامها وتصرّفها اللّذَين ينعكسان على أفراد عائلتها. إنّ أجواء البيت الّذي يعمّه اللّطف يكون مريحًا وبنّاءً ومُحبًّا ومُسالِمًا.

ولأنّها لطيفة، فهي عطوفة ومُحسِنة، ليس فقط ضمن حدود منزلها حيث اللّطف والإحسان ينبعان من شعور طبيعيّ، بل أيضًا مع الغرباء والمُحتاجين "فهي تَبسُط يدَيها..." (أمثال 31: 20). وبسبب اجتهادها، لا تحتاج إلى شيء، بل تكون مُستعدّة لعمل الإحسان وقادرة عليه. وبسبب تقواها، تُحسِن إلى أهل الإيمان بشكل خاصّ، كما فعلت النّسوة في أيّام المسيح (لوقا 8: 2-3)، و"طبيثا" في أيّام الرّسول بطرس (أعمال 9: 36)، والمرأة الشّونميّة مع النّبيّ أليشع (2ملوك 4: 8-10). إذًا، الإحسان صفة من صفات المرأة الفاضِلة.

كما رأينا، إنّ المرأة الفاضلة، على الرّغم من أنّها ثمينة، إلاّ أنّها موجودة. ووجودها تحدٍّ كبير كما ذكرنا، بخاصّة في عصرنا الحاليّ حيث كلّ المقاييس مقلوبة، لكنّه ليس أمرًا مستحيلاً. هذه المرأة تتميّز بالتّقوى والطّهارة والاجتهاد والحكمة واللّطف. كلّ هذه الصّفات مهمّة وأساسيّة بحسب كلمة الرّبّ ومقياسه، وهو إله المستحيلات القادر على مساعدتنا في تحمّل هذا التّحدّي ومواجهته بنجاح.

نسأل الرّبّ أن يجعلنا سبب بركة "في وسْط جيل مُعَوَّجٍ"، وكنزًا ثمينًا له وللمجتمع المحيط بنا، وذلك من خلال سعينا للتّحلّي بميزات المرأة الفاضِلة.