هل من محدوديّة لمعرفة المسيح؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

يسأل المعترضون على ألوهيّة المسيح سؤالاً صعبًا هو: إنْ كان يسوع يعرف كلّ شيء، فلماذا قال في مرقس 13: 32: "وأمّا ذلِكَ اليَوم وتِلكَ السّاعَة فلا يَعْلَم بِهِما أحَد، ولا الملائِكَة الَّذين في السَّماء، ولا الاِبْن، إلاّ الآب"؟ أمّا الجواب، فهو: إنّ قول المسيح هذا، في إنجيل مرقس، لا يتعارض مع كونه كلّيّ المعرفة؛ ففي جوابه نرى أنّ المعرفة الكلّيّة، عندما استُعلِنَت للبشر في تجسُّد المسيح، ألزَمَت نفسها بشيء من المحدوديّة لتستطيع الاتّصال بالبشريّة المحدودة. وهناك عدّة آراء في تفسير هذه العبارة، أهمّها:

·                إنّ المسيح، في تلك اللّحظة، لم يكن يعلم توقيت مجيئه الثّاني، إلاّ أنّه ليس هناك أيّة إشارة إلى أنّه كان ناقص المعرفة، في ما يختصّ بملكوته وتدبيراته في أثناء وجوده على الأرض، الأمر الّذي لا يتوافق مع تصريح بطرس: "يا ربّ، أنتَ تَعلَم كلّ شيء" (يوحنّا 21: 17). والمفتاح لمعرفة خلفيّة هذا الجواب موجود في يوحنّا 15: 15، حيث يقول الرّبّ: "إنَّ العَبْد لا يَعْلَم ما يَعمَل سَيِّدُه". والمسيح، العبد الكامل الّذي أتى لكي يموت على الصّليب، أُخفِيَ عنه هذا الأمر؛ أمّا المسيح الإله الكامل، فكان يعرف التّوقيت لكنّه أخفاه عن تلاميذه.

·                إنّ المسيح أخفى عن تلاميذه معرفة بضعة أمور: متى يكون دمار أورشليم، أو وقت مجيئه الثّاني (أعمال 1: 7)؛ فمعرفة هذه الأمور لا تؤول إلى تقدّمهم الرّوحيّ، لذلك لم تكن أمرًا ضروريًّا بالنّسبة إليهم.

·                عندما نُقارن الجواب في مرقس بتصريح الرّبّ في يوحنّا 12: 49، حيث قال: "لأنّي لَمْ أتَكَلَّم مِن نَفْسي، لكِنَّ الآبَ الَّذي أرْسَلَني هو أعْطاني وَصِيَّة: ماذا أقول وبِماذا أتَكَلَّم"، نعرف عندها أنّ الرّبّ كان قادرًا على أن يكشف بعض المعلومات من دون أخرى.

·                هناك نبوّة عن المسيح في إشعياء تقول إنّه كان يتلقّى، يومًا بعد يوم، المعلومات والتّعليمات الّتي يجب أن يَنطِق بها. وهذا يُفسِّر عدم معرفة الابن، في تلك السّاعة، بموعد مجيئه الثّاني: "أعْطاني السَّيِّد الرّبّ لِسانَ المُتَعلِّمين لأعرِفَ أنْ أغيثَ المُعيِيَ بِكَلِمَة. يُوقِظ كلَّ صَباحٍ، يُوقِظ لي أُذُنًا، لأسْمَع كالمُتَعَلِّمين. السَّيِّد الرّبّ فَتَح لي أُذُنًا وأنا لَمْ أُعانِد" (إشعياء 50: 4-5).

وهكذا، نرى أنّ إجابته، الّّتي أظهرت نوعًا من المعرفة المحدودة أو النّاقصة، لم تجعل تلاميذه يشكّون في كونه كلّيّ المعرفة، بل كانوا كلّما تحدثّوا معه، ازدادوا اقتناعًا بأنّه "يعرف كلّ شيء" (يوحنّا 16: 30).