هل يسرق السّارق لمجرّد كونه فقيرًا؟

العدد:
السنة:

كثُرت التّحاليل حول موضوع الفقر وعلاقته بالسّرقة، وتوصّل معظمها إلى نتيجة أنّ الفقير لا يُخطئ عندما يمدّ يده ليسرق لقمة العيش. وترسَخت هذه القناعة حتّى عند بعض رجال الدّين المؤتَمنين على تعليم الفضيلة للنّاس، وقد قيل إنّ كاهنًا في بريطانيا حثّ المصلّين، من خلال عظته في الكنيسة، على السّرقة من مراكز التّسوّق إذا اضطرتهم ظروفهم الاقتصاديّة إلى ذلك، موضحًا أنّه من الأفضل لهم أن يسرقوا بدلاً من اللّجوء إلى البغاء والسّطو المسلّح. وأصرّ الكاهن على أنّ عِظته لا تتعارض مع الوصيّة الثّامنة من الوصايا العشر "لا تَسْرِق"، لأنّ حبّ الله للفقراء يفوق حبّه للأثرياء. وتابع، مُخاطبًا المصلّين: "أشدّد على عدم سرقة أكثر ممّا تحتاجون إليه". ونِعْمَ الدّقّة في التّعليم!!

حقًّا، لقد انقلبت المقاييس، وأصبحنا نخيط القِيَم وتعاليم الرّبّ على قياس حاجاتنا وقناعاتنا لكي نُبَرِّر تصرّفاتنا ونستر أخطاءنا. ونسأل: هل الفقر والحاجة فعلاً هما الدّافعان الرّئيسان إلى السّرقة؟ هل الفقر هو مُبرِّر حقيقيّ وعذر مقبول للسّارق؟ هل الأوضاع الصّعبة هي الّتي تؤدّي إلى الأخلاق السيّئة والسّلوك المنحرف أو العكس هو الصّحيح؟

دوافع السّرقة

إذا كنتَ تسأل: هل الفقر هو سبب للسّرقة، فالجواب هو: نعم. أمّا إذا كنت تسأل: هل هو مُبَرِّر للسّرقة، فالجواب هو: أبدًا!! فالفقر ليس دافعًا إلى السّرقة إنّما هو مُبرّر لسلوك مُنحرف. والسّرقة ليست نتيجة لفقر المال إنّما لفقر الأخلاق والابتعاد عن الرّبّ، وعدم الثّقة في أنّ الله قادر على "أن يُرتّب لنا مائدة حتّى في البرّيّة" (مزمور 78: 19).

معظم الّذين يرتكبون السّرقة هم مُنحرفون، بعيدون عن الإيمان، مُكبّلون بأوهام تؤدّي إلى عادة السّرقة، من أهمّها: الجشع وحبّ التّملّك مع عدم القدرة على ضبط النّفس، ودوافع عدوانيّة وشعور بالانتقام، والشّعور بالحرمان وعدم المساواة مع الآخرين، بالإضافة إلى عادات سيّئة يكتسبها الإنسان منذ الصّغر بسبب عدم رقابة الأهل، ممّا يسبّب انحرافات سلوكيّة تؤدّي إلى السّرقة.

ما هي السّرقة؟

السّرقة هي الاستحواذ على ما يملكه الآخر من دون وجه حقّ. السّرقة ليست وراثيّة أو فطريّة أو حتّى حدثًا، إنّما هي عادة يكتسبها الأفراد فتصبح سلوكًا يُعبّر عن نزعات وحاجات نفسيّة معيّنة. فعليًّا، إنّ هذه الظّاهرة لا تقتصر على الفقراء والمحتاجين بل أصبحت تطال المثقّفين والأغنياء على السّواء، لأنّ السّارق لا فرق عنده بين أن يسرق خبزًا أو ذهبًا. وهذا ما يؤكّده أحد المواطنين الأميركيّين، الّذي شعر بالانزعاج من الاختفاء المتكرّر لوجباته من الثّلاّجة في مركز عمله، باختراعه أكياسًا بلاستيكيّة في داخلها بقع خضراء داكنة تُظهر الطّعام وكأنّه متعفّن، ممّا يمنع الآخرين من سرقة طعامه. وقد أصبحت هذه الأكياس المقاومة للسّرقة سلعة مطلوبة جدًّا، وتُباع عبر الإنترنت.

الفقر وأسبابه

الفقر لا يُحدَّد بالمال، إنّما هو إحساس المرء بالحاجة إليه. فالغنيّ السّاعي للمزيد هو فقير بسبب الحاجة، أمّا الفقير المكتفي فهو غنيّ بسبب قناعته بما يملك. فالإنسان يشعر بأنّه فقير عندما يفتقر إلى القناعة وتزيد حاجته إلى الامتلاك. أضِف إلى هذا الشّعور، أسبابًا أخرى تؤدّي إلى الفقر والكتاب المقدّس يعدّدها:

·       الكسل:  "إلى متَى تَنام أيّها الكَسْلان؟ متَى تَنْهَضُ مِن نَوْمِك؟ قَليلُ نَوْمٍ بعدُ قليلُ نُعاسٍ، وطَيُّ اليَدَيْن قليلاً للرُّقود، فَيأتي فَقْرُك كَساعٍ وعَوَزُك كغازٍ" (أمثال 6: 9-10) . "إنْ كانَ أحَدٌ لا يُريد أنْ يَشْتَغِل فَلا يَأكُل أيضًا" (2 تسالونيكي 3: 10).

·       محبّة الملذّات والإسراف على الأرضيّات. "مُحبُّ الفَرَح إنسانٌ مُعْوِزٌ. مُحِبُّ الْخَمْر والدُّهْن لا يَسْتَغْني" (أمثال 21: 17).

·       الإسراع في الحصول على الغنى. "ذو العَيْن الشّرّيرَة يَعْجَلُ إلى الغِنَى، ولا يَعْلَم أنّ الفَقْر يَأتيه" (أمثال 28: 22).

·       اتّباع الكسالى. "الْمُشْتَغِل بأرْضِه يَشْبَع خُبْزًا، وتابِعُ البَطّالينَ يَشْبَعُ فَقْرًا" (أمثال12: 11؛ 28: 19). 

·       قلّة القناعة، فلا يشعر الإنسان بالاكتفاء أو البركة، بعكس الصّدّيق الّذي يشكر الرّبّ حتّى على القليل: "الصّدّيق يَأكُل لِشَبَع نَفْسِه، أمّا بَطْنُ الأشْرار فَيَحْتاج" (أمثال 13: 25).

·       الابتعاد عن وصايا الرّبّ. "فَقْرٌ وهَوانٌ لِمَنْ يَرْفُض التّأديب، ومَنْ يُلاحِظ التّوْبيخَ يُكْرَم" (أمثال13: 18).

علاج السّرقة وتعليم الرّبّ

بما أنّ السّرقة هي عادة وسلوك، فلا بدّ من تربية المرء منذ الصِّغر على طاعة كلمة الرّبّ أوّلاً، ومن ثمّ احترام ملكيّة الآخرين قبل أن تصبح السّرقة عادة متأصّلة. فالأوضاع الصّعبة الّتي يعيشها الفقراء لا تعطيهم الحقّ في مدّ يدهم بطريقة غير شرعيّة، إذ لا فرق عند الرّبّ بين غنيّ وفقير، بين مُحتاج ومُستَغْني لأنّ كلاهما صانعهما الرّبّ، وكلاهما يخلّصهما أو يعاقبهما (أمثال 22: 2). وليس هناك ما يدعونا إلى معصية الرّبّ وتحمّل عواقب السّرقة، الأرضيّة والرّوحيّة على السّواء. فالسّرقة جريمة يُعاقِب عليها القانون، وكذلك الرّبّ لأنّها تجلب اللّعنة وغضب الله والحرمان من الحياة الأبديّة.

لنتذكّر أيضًا أنّ الرّبّ ما زال، ومنذ القِدم، يحرّم السّرقة ويطالب السّارق بإعادة أضعاف ما سرق. وهو يوصي السّارق ألاّ يسرق فيما بعد، بل بالحريّ يتعب عاملاً الصّالح بيديه ليكون له أن يُعطي مَن له احتياج (أفسس 28: 4)، أي أن يتحوّل من سارق إلى مُنتِج مُحسِن. لأنّه بذلك ينعم بوعود الرّبّ ويُبارَك. "الصّالِح العَيْن هو يُبارَك، لأنّه يُعطي مِن خُبْزِه للفَقير" (أمثال 22: 9).

فلنتعلَّم الاكتفاء بما عندنا، كما صرّح بولس الرّسول: "فإنّي قد تَعلَّمتُ أنْ أكونَ مُكتَفيًا بِما أنا فيه... قد تَدَرَّبتُ أنْ أشْبَع وأنْ أجوعَ، وأنْ أسْتَفْضِل وأنْ أنْقُص" (فيلبّي 4: 11-12)، ولنمتنع عن كلّ ما يجلب العار على اسم الهنا، ونصلَي كما في أمثال 30: 7-9 "اثْنَتَيْن سَألْتُ مِنْك، فلا تَمْنَعْهُما عنّي قبل أنْ أموت: أَبْعِد عنّي الباطِل والكَذِب. لا تُعْطِني فَقْرًا ولا غِنًى. أَطْعِمْني خُبْزَ فَريضَتي، لِئَلاّ أَشْبَع وأَكْفُر وأَقول: "مَنْ هو الرّبَ؟" أو لِئَلاّ أَفْتَقِر وأَسْرِق وأتَّخِذَ اسْمَ إلهي باطِلاً".

لقد دعانا الله إلى أن نحيا حياة مستقيمة، ونمتنع عن كلّ سرقة حتّى لو كان دافعها الجوع والحاجة، "لا يَستَخِفّون بالسّارق ولو سَرِق لِيُشْبِع نفسه وهو جَوْعان. إنْ وُجِد يَرُدّ سَبْعَة أضعافٍ، ويُعْطي كلّ قِنْيَةِ بيتِه" (أمثال 6: 30-31)، كما دعانا إلى أن نأكل خبز أنفسنا وليس خبز غيرنا (2 تسالونيكي 3: 12).

AddToAny