هل يُعيد التَّاريخ نفسه أم يصل إلى نهايته؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

هل نحن في نهاية التَّاريخ أم في نهاية حقبة من تاريخ لا ينتهي؟ وهل يستمر التَّاريخ في شكل دائريّ بلا نهاية أم هو يسير بخطٍّ سَويٍّ له بداية وله نهاية ما؟

أمّا الَّذي يؤمن باستمراريّة التَّاريخ، فيحكي عن "التَّاريخ الَّذي يُكرّر نفسه" ويبحث عن الحوادث ويربط بينها ويُفسّر أسبابها ويضعها في إطار حتميّة تاريخيّة تفرض نفسها من دون إمكان الوصول إلى نهاية ما.

وأمّا الَّذين يؤمنون بنهاية للتاريخ، فيُفسّرون الحوادث المتشابهة على أنّها ثمرة أفكار وخيارات وأمزجة بشريّة متشابهة، إلَّا أنّ التَّاريخ يسير إلى الأمام نحو نقطة ما، ينتهي بعدها.

فأيّ من الرأيين هو الرأي الصائب؟

تؤمن المسيحيّة بأن للتاريخ بداية، وبأنه ينقسم إلى أزمنة وعصور، وبأن له أبًا يُمسك به أعلن في يوم من الأيّام بدايته، ومذذاك يقوده إلى نهاية لا مفرّ منها. ويُسمّى الله "أبو الأبدية" أو "الإله الأزليّ" والَّذي معه كانت بداية التَّاريخ على الأرض، وهو يُحدّد "تاريخ الانتهاء" ليذهب البشر، من ثم، إلى مكان آخر يتجاوز هذا المكان و"الساعة" المرتبطة بدوران الأرض حول الشمس.

لافتٌ أن تكون أولى كلمات الكتاب المقدّس هي "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". ثم عاد وقسم التَّاريخ قسمين رئيسين، ما قبل المسيح وما بعده. أمّا التَّاريخ ما بعد المسيح فيصل إلى نهاية حتميّة برجوعه ثانية ليُعلِن ملكه على كلّ شيء بما فيه الزَّمن.

ينفرد بعض المتفلسفين، الذين يهوون إنكار الواقع، برفض الزمن وحقيقة هذا الوجود الحاضر الَّذي تمرّ أيّامه، في سرعة، أمامنا، فلا نمسكها. ويؤمن البعض بأن الله خلق الكون وأسّس للزَّمن، إلَّا أنّه عاد وخرج منه، وتركه يسير بقوَّة مرصودة له تُساعده على الاستمرار إلى ما لا نهاية. وهناك من يقول إنّ التَّاريخ الحاليّ لا بد من أن ينتهي لتعود دورة حياة أخرى تليها دورات أخرى لا تنتهي. يتمسّك النّاس بكلّ هذه الآراء ولا يركنون إلى النظرة الكتابيّة إلى الزمن القائلة إن الله خلق الزمن ووضع له خطًّا ثابتًا لهدف نهائيّ ضمن مقاصده الإلهيّة. ويصعب على هؤلاء وضع تصوّر لدورات التَّاريخ المقبلة وما تتضمّنه.

ومن يرفض مبدأ "التَّاريخ الخطّي" يرفض أيضًا أن تكون هناك نبوّات رؤيويّة تحكي عن الزَّمن الآتي، فيجهد لوضع تفاسير "ماضويّة" فيها، ويُعيد شرح كلّ نبوّة على أنّها تحقّقت سابقًا، ولا يوجد إمكان لوجود أيّ فصل لم يتحقّق في خطّة الله لنهاية العالم الحاضر. وبشروحاتهم هذه ساوم هؤلاء "اللاهوتيّون" مع الخائفين ليُطمئنوهم إلى أنّ لا خطر كونيًّا أو يوم قيامة ودينونة ينتظران الناس، مؤكّدين أن هذا لن يكون، على الأقلّ، في أيّامهم، وبالتالي لن يكون في أيّ جيل يأتي! والأخطر في الموضوع هو أنّ هؤلاء جعلوا من تفسيرهم الخاطئ هذا مقياسًا للاعتدال ولاستقامة الرأي!

إنّ أحد مكامن القوّة الأساسيّة في الكتاب المقدس تعود إلى تحقّق نبوّاته. فالنبيّ دانيال حكى عن تعاقب الممالك: البابليّة، والمّاديّة الفارسيّة، واليونانيّة، والرومانيّة، وبالفعل هذا ما حدث بالتمام. وتحقّقت النبوّات عن مجيء المسيح وصلبه وقيامته بحذافيرها. ولماذا لا تكون النبوّات عن نهاية الزمن صادقة؟ هنا يقف على المحكّ قول المسيح عن توالي أمور مستقبليّة بعده "ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى"؟ وماذا يقولون في قول بطرس عن شيخوخة الكرة الأرضيّة واقتراب وقت انحلالها؟ ألا تسير البشريّة نحو يوم القيامة والمثول أمام كرسي المسيح العائد ليدين الأحياء والأموات؟ وعندذاك ألا تتحقّق النبوّة: "لَا يَكُونُ زَمَانٌ بَعْدُ"؟