همومنا: ماذا نفعل بها؟

العدد:
السنة:

نستطيع عندما نسير في شارع مكتظّ بالمارّة وننظر إلى وجوهم أن نميّز بسهولة الاختلافات الظاهرة بينها. ونجد مع ذلك قاسماً مشتركاً في تعابير الوجوه يتمثّل في حالة من التجهّم تُظهر مدى ثقل الهموم والمشاكل التي يحملها كلّ إنسان. ويتأبط الواحد منّا، أينما ذهب، همومه معه، يفتكر بها وينشغل. وتصبح كالفطريّات تلتصق بالكيان وهي غريبة عنه. تتغلغل في الفكر لتصبح جزءًا منه ومصدرًا لتقييد المرء في دائرة لا يستطيع الخروج منها. حتى تصبح أسلوب حياة بل بالأحرى بيئة يرى فيها الانسان نفسه محاربًا يمدّ سيفه ليضرب يمنة ويسارًا مدافعًا عن ذاته، لكنّه لا يصيب إلا الهواء. وفي نهاية اليوم، يضع رأسه على الوسادة ويقول: "غداً يوم آخر".

          جاء في نتيجة دراسة إحصائية أجرتها إحدى المؤسّسات العلميّة عن طبيعة الهموم عند الانسان أن:

40% من الهموم تتعلّق بأمور يتوقعها الانسان لكنّها لن تحصل.

30% من الهموم تدور حول أمور حصلت بالماضي ولا يمكن تغييرها.

12% من الهموم تنتج عن انتقاد الآخرين لنا وغالبًا ما تكون غير صحيحة.

10% من الهموم في شأن الصحة التي تسوء بسبب القلق عليها.

8% من الهموم واقعيّة ويجب مواجهتها.

 

اللافت في هذه الاحصاءات أن 8% فقط من الهموم حقيقيّة وعلينا البحث عن كيفية الانتصار عليها!

          يقول الرسول بطرس في رسالته الاولى "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأنه هو يعتني بكم" (1 بطرس 5: 7). وكلمة "إلقاء" تعني الرمي أو الطّرح. بنفس المعنى يطلب الرسول أن يلقي الانسان بهمّه على الرب. وإذا وضعنا تقويماً لهمومنا وتصنيفاً لها، فسنساعد أنفسنا على النظر بواقعية إلى ما يُشغِل حياتنا ويأخذ حيّزًا هامًّا منها. أمّا بطرس فيؤكّد على أنّه عندما نُلقي بهمومنا على الله سيعتني بنا بغض النظر عن صنف همومنا.

أشار أحدهم إلى أن الهمّ خطية لأن الانسان: (1) ينكر حكمة الله، وكأن الله لا يعلم ما هو فاعل. (2) ينكر محبة الله، وكأن الله لا يسأل ولا يبالي بنا. و(3) ينكر قدرة الله، وكأن الله يعجز عن إنقاذنا من كلّ ما يسبب لنا الهمّ أو القلق.

يجب أخذ هذا التحليل في الاعتبار. إذ لدينا هموم مختلفة نحتفظ بها. والاحتفاظ بها دليل إلى عدم ثقتنا بقدرة الله على إزالتها ونخطئ بالتالي تجاه الرب في عدم إتكالنا عليه. والهموم لا تفيد حياتنا بل تضرّها، لأنها تسرق منها الفرح والأمان والسلام.

          يقول الرسول بولس "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ" (فيليبّي 4: 6). ونحن نحتاج أن نأتي بكلّ شيء إلى الرب بالصلاة. والصلاة هي المكان المناسب لإلقاء كل حملنا عليه، لأنه يعتني بنا. ومجيئنا إلى الرب فعلُ ثقة بكلامه. ويمكننا، بقدر ثقتنا بكلامه، أن نلقي بهمومنا عليه، وسنحمل، بقدر عدم ثقتنا به، همومنا معنا حيث كنّا.

يقول المرنم في المزمور 94: 19 " عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي." الهموم لن تتوقف وموجها لن يهدأ ما دمنا نسبح في بحر هذه الحياة. لكن عندما نتقدم من الرّب بثقة ونلقي بهمومنا عليه، فسيكون وحده القادر على أن يعتني بنا ويفيض بتعازيه علينا. فلنتلذذ بعنايته ومحبته وهدايته لنا إلى ميناء السلام الحقيقي الذي بين يديه المليئتين بحنانه المقدّس.

AddToAny