هوليوود ونهاية العالم

العدد:
السنة:

إنّها الآخرة الرّهيبة ونحن نحبّ مشاهدتها بينما نسأل ماذا يوجد على الجانب الآخر؟

في المشهد الأخير من فيلم "الطّريق" (The Road)، المعدّل عن رواية لـ"كورماك ماكارثي" والحائزة على جائزة "بوليتزر"، نرى أبًا وابنه يتحادثان على شاطئ مهجور، تُغطّيه عظام بشريّة وعظام حيتان. وقد وصلاه أخيرًا بعد أن اجتازا أرضًا محفوفة بكلّ أنواع المخاطر والفخاخ. لم يكن الصّبيّ قد رأى البحر قبلاً، فسأل والده: "ماذا هناك على الجانب الآخر؟". "لا شيء"، أجابه والده الّذي كان يُعاني سوء التّغذية والوهن نتيجة مواجهته كلّ أنواع الشّرور، والّذي كاد أن يفقد الأمل، بعد أن كان يشجّع ابنه دائمًا على الحفاظ عليه. لكنّ الصّبيّ، الّذي كان يؤمن بوجود خير ما في هذا العالم المُظلم والميت الّذي يعيشان فيه، نظر إلى البحر وقال لوالده: "لا بدّ من وجود شيء ما هناك". لم يشأ الوالد أن يفقد ابنه الأمل، فأجابه قائلاً: "ربّما هناك أب وابن جالسان على الشّاطئ أيضًا".

يُصوّر لنا الفيلم إحدى أحبّ العلاقات بين الآب والابن، وبخاصّة المشهد الأخير الّذي يُجيبنا عن سؤال مهمّ جدًّا يدور في فكرنا: "ماذا هناك على الجانب الآخر؟".

إنّه سؤال فطريّ بالنّسبة إلى الإنسان، وقد استغلّت "هوليوود" هذا الأمر. والدّليل على ذلك هو فيض الأفلام "الرّوحيّة" الّتي ظهرت بعد النّجاح المدوّي لفيلم "آلام المسيح" (The Passion of the Christ) عام 2004. ففي عالم مليء بالخوف، أدّت فيه الحرب والإرهاب والانهيار الاقتصاديّ إلى بروز مسألة الموت والحياة بعد الموت عند الإنسان، أنتجت صناعة الأفلام قصصًا عديدة لمعالجة الموضوع، إلاّ أنّها لم تُصِب الهدف ولم تُجِب عن السّؤال. وقد سجّل العام 2009 رقمًا قياسيًّا (10 مليار دولار) في شبابيك تذاكر دور العرض في الولايات المتّحدة وكندا، حيث سُجّل ارتفاع في نسبة الحضور (4,5%) عن العام 2008، على الرّغم من التّدهور الاقتصاديّ الّذي حدّ من مصروف المستهلك في باقي القطاعات. ومعظم الأفلام الّتي سجّلت أرقامًا قياسيّة هي تلك الّتي تُعالج موضوع نهاية العالم، مثل: (Transformers: Revenge of the Fallen – 2012 – District 9 – The Road…) وحاليًّا: (The Book of Eli – Legion)، والفيلمان الوثائقيّان (Waiting for Armageddon و With God on Our Side) اللّذان يبحثان في موضوع الأيّام الأخيرة، وأخيرًا فيلم (The Lovely Bones) الّذي يُصوّر رؤية فتاة مراهقة للسّماء وشوقنا إليها.

لماذا هذا التّبذير عند النّاس لحضور الأفلام، وبخاصّة الّتي تتكلّم على الأيّام الأخيرة، في زمن اقتصاديّ ضيّق وبحاجة فيه إلى كلّ ما نستطيع أن نوفّره؟

يعود الأمر إلى سببين: الأوّل، هو أنّه عندما تتدهور الحالة الاقتصاديّة يتّجه النّاس إلى حضور الأفلام، وقد حصل هذا عدّة مرّات في السّابق. الثّاني، هو أنّ النّاس باتوا يسألون، ربّما أكثر من قبل، عمّا يحدث بعد الموت. حرب، إرهاب، زلازل، رجال آليّون من الجحيم، أموات أحياء يهيمون على وجه الأرض...

عندما عُرض فيلم (2012) في دور العرض في العام 2009، قامت إحدى المجلاّت باستطلاع رأي علماء مختصّين ورجال دين حول أسباب افتتان النّاس بمشاهدة أفلام كهذه. تردّ أستاذة علم الاجتماع في جامعة "كاليفورنيا" "مارغاريت غونسولين" السّبب إلى حاجة النّاس إلى الاطمئنان في زمن غلب عليه القلق والخوف، وتقول: "إنّهم يريدون معرفة المستقبل". وصرّح "بريت ماكراكن"، النّاقد في مجلّة "CT Movies"، بالقول بإنّنا مُجبرون على حضور أفلام كهذه "لأنّ هناك شعورًا فطريًّا بالعدل داخل كلّ واحد منّا، وشعورًا آخر يقول إنّنا نستحقّ البؤس أو ما هو أسوأ. فعندما نتلّمس عمل الله في العالم، نحتار ممّا نراه: فهل هي سيادته الّتي نضع رجاءنا عليها هي الّتي تتحرّك، أو غضب عدالته على الرّغم من شدّته".

إنّ النّاس يذهبون إلى دور العرض في محاولة منهم للهروب ولمشاهدة أفلام عن الهروب إلى عالم آخر، وإن كانت كئيبة ومخيفة، أو عن الحياة بعد الموت أو عن "الجانب الآخر". يقول كاتب سفر الجامعة إنّ الله وضع الأبديّة في قلوبنا (جامعة 3: 11)، ممّا يجعلنا نتساءل دائمًا عن المستقبل. الأمر الّذي يجعلنا نُدرك أنّنا فانون؛ مهما كانت الطّريقة الّتي نموت فيها: موت طبيعيّ أو في نهاية العالم. والأفلام الّتي نتحدّث عنها هنا تُغذّي هذه الرّغبة عند الإنسان، وبخاصّة عند المؤمن المسيحيّ. (لقد سجلّت سلسلة أفلام Left Behind مبيع 65 مليون نسخة). صرّح "ريتشارد ماو"، رئيس "معهد فوللر اللاّهوتي"، إلى مجلّة "Christianity Today" قائلاً: "في الأوقات الصّعبة، تزداد علامات الاستياء والقلق في حياتنا. ونحن، اليوم، نعيش أيّامًا صعبة، لذلك يجب ألاّ نتفاجأ من توق النّاس إلى الأبديّة، وإلى حلّ نهائيّ للصّراع بين الخير والشّرّ".

ماذا هناك على الجانب الآخر؟ ربّما "هوليوود" لا تعلم أنّها قد أظهرت الحقيقة بطريقة ما، أنّ الآب والابن ينتظران على الجانب الآخر من الشّاطئ.

 

من مجلّة "Christianity Today"

AddToAny