هويّة ملكوت المسيح

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

اختلفت الآراء وتضاربت بشأن هوية ملكوت المسيح. وأحدثَ ذلك انقساماً بين الأطراف المتنازعين حول طبيعة هذا الملكوت. وأثارت هذه الهويّة شكّاً وحَيرةً وسوء فهم في نفوس البعض كاليهود، فيما خلقت ذُعراً وخوفاً واضطراباً وتهديداً في نفوس آخرين كالرومان. فاليهود نظروا الى الملكوت نظرةً أرضية، وتطلّعوا الى المسيح كمَلك أرضي يُحرّرهم من قبضة الرومان المحتلّين. فيما زرع المسيح الرّعب في صفوف الرّومان الحاكمين. حتى أنّ هيرودس الْمَلك لمّا سمع بخبر المسيح المولود اضْطرب، فجمع كل رؤساءِ الكهنة وكتبة الشعب، وسألهم عن مكان ولادته. ودعا  بعدها المجوس سِرّاً، وأرسلهم ليتفحّصوا الأمر ويدقّقوا في شأن الصّبي ليسجُد له.  ولما ازداد اضطرابُهُ، أمَر بقتل جميع صبيان بيت لحم من ابن سنتين فما دُون.

وفيما راهن اليهود على قيام مشروع سياسيّ يُغيّر المعادلة السائدة، ويَبسُط السلطة والقوّة، ويُحقِّق السيادة والنُصرة، ويُعيد الأمجاد السابقة، ارتعب الوالي الروماني من شَعبية يسوع وتخوّف من ثورات وحركات انقلابية تهدّد سلطته ومركزه. وهكذا شكَّلت هويّة ملكوت المسيح تضارُباً في وُجهات النظر، الى أن صرّح هو بنفسه أمام بيلاطس«مَمْلَكَتي لَيْسَت من هذا العالم. لَو كَانت مَمْلَكَتي مِن هذا العَالم،لكان خُدَّامي يُجَاهِدُونَ لكي لاَ أُسَلَّمَ إِلَى اليَهُود. وَلكِن الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِن هُنَا» (يو18: 36).وعندما سـأله بيلاطس: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟»، لم يتنكّر المسيح لهويّته، بل قال: "لِهذَا قَد وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَم".وبهذين التصريحَين يؤكّدُ يسوع أنّه مَلِك، وله مملكة تختلف عن ممالك العالم. مملكة تعتمد الطُرق الروحيّة لبَسط سُلطانها وسيادتها، على عكس الممالك الأرضية التي تعتمد السّلاح. إلاّ أنّها ستتحوّل يوماً الى مملكة أرضية فيملك المسيح ألف سنة على الأرض (رؤ20: 4) وبعدها سيكون مَلكاً أبدياً، سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ على مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ على مَا لا يَنْقَرِضُ.

كم يتشابه يهود زمنَ القُضاة مع يهود زمن مجيء المسيح. في السابق طالبَ شعب إسرائيل بأن يكون لهم مَلِكٌ كسَائِرِ الشُّعُوبِ، وَيَقْضِي لهم وَيَخْرُجُ أَمَامَهُم وَيُحَارِبُ حروبهُم (1صم1: 5). فتخلّوا عن مَلكهم السّماوي، ليكون لهم مَلِك أرضي. هكذا كانت الحال زمن مجيء المسيح. فبعد صَمتٍ طويل منذ أيام السبي الى زمن المكابيين وغياب حقبة الملوك، واليهود يتطلّعون بشوق لقيام مَلك من وسطهم يحكمهم ويقضي لهم ويعيد لهم السّلطة والمملكة. وطمحوا دائماً إلى ملكوت أرضي بحت، ولم يمتلكوا يوماً أيّ تطلُّع الى ملكوت سماوي! اشتاقوا إلى مَلك يُحرّرهم من سلطة الرومان، ويُعطيهم الشعور بالرِّفعة والأمان، من دون أيّ رغبة بمَلك يحرّرُهم من خطاياهم ويمنحهم السّلام!

وجاء المسيح ولِحقُوا به ظّنًا منهم بأنّه المنقذ والمحّرر والمنتفِض على الاحتلال، إلاّ أنه، بدخوله الى الهيكل وتطهيره إيّاه، أبطل توقّعاتهم. وتفاجأوا بطبيعة مُلكِهِ! أرادوه مَلِكاً جبّاراً، وقائداً عَسكريّاً مُحنَّكاً، وإذا بهم يجِدُونه طِفلاً رضيعاً، ورجُلاً مُسالماً، وحَملاً وَديعاً. لم يَشفِ جُرحَهُم، ولم يَروِ غليلهم، فرفضوه! وتآمر عليه سنهدرين اليهود الذين غالُوا بإعلان قيصر مَلِكاً عليهم ليُخلِّصَهم من المسيح. وحاكمُوه وأسلمُوه للصلب حتى الموت. وهكذا بدا الطَرَفان المتنازعان دَوماً مُتوافِقين معاً على شخص المسيح. وقدّ وحّدَ بينهما رفضَهُما له.

إلاّ أنّ هذا الرفض الأرضي، لا يُغيّر إطلاقاً في المشروع الإلهي. وتبقى مملكة المسيح مملكة روحية ينضَمّ إليها جميع الذين قَبِلُوا مُلكَهُ على حياتِهم، ويُستثنى منها جميع الذين رفضُوه قائلين "لا نُريدُ أنّ هذا يَملِكُ علينا!" (لو14:19). صحيح أنّ هوية ملكوت المسيح أثارت خيّبة آمال كثيرين، إلاّ أنّها في المقابل أنعشَت حياة آخرين. وسيأتي اليوم الذي فيه يُطالب يسوع المَلِك أعداءَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يملِكَ عَلَيْهِمْ ويُقابهم[U1] . وأمّا الذين قبِلُوه فأعطاهُم جميعهم نصيباً في ملكوتهِ، وسيَدعوهُم: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت35:25).

AddToAny