"والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا . . ." (يوحنا 1: 14)

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

ذهبت يوماً إلى الدكّان في بلدتنا لشراء الطّوابع.  وكان المكان، على غير عادته، هادئاً ما خلا اثنين من الموظّفين مشغولَين في ملء الرّفوف بالبضائع وتسعيرها.  ثمّ دخل رجل بدا لي كبيراً في السّنّ، وقد تكون ظروف حياته هي الّتي جعلته يبدو بهذا الشّكل.  لم يكنْ متأكّداً ممّا يريد: أمضى وقته يطوف في الدكّان ويتأمّل البضائع المعروضة.  كان شعره غير مسرّح، ومعطفه رثّاً، وسرواله فضفاضاً، وحذاؤه متّسخاً جدّاً.  ومع هذا، لمْ يكن مظهره هو الّذي أزعجني، بلْ رائحته المميتة والّتي لا تُقاوم.  قام هذا الرّجل بجمع بعض الأغراض ثمّ وضَعَها على الصّندوق.  فأحنت الموظّفة رأسها غير قادرة على النّظر إلى وجهه.  وعندها، بدا كأنّه قد تذكّر شيئاً كان قد نسيَه، فاختفى خلف الرّفوف.

عندئذٍ أسرعت الموظّفة نحو باب الدكّان وفتحته على مصراعَيه، وأخذت تحرّك الهواء بيدَيها باهتياج شديد، ثمّ اختفت خلف الصّندوق لتظهر مجدّداً حاملة ملطّفاً للهواء.  ومن دون تردّد، أخذت ترشّ المكان حولها وهي متّجهة نحو الباب الرّئيس.  وفجأة، ظهر زميلها من حيث لا أدري، ووقف حارساً الصّندوق، مجيلاً نظره خلف الرّفوف، محاولاً معرفة ما إذا كان "المجرم" لا يزال يحوم في المكان.  ثمّ بدأت الموظّفة بتسعير البضائع الّتي أمامها ببطء، عندما عاد الرّجل ببعض السّلع الّتي نسيَها.

كنت أقف منزعجةً، وأنا أتأمّل المشهد ينكشف أمام عينَيّ، وقد ترك في داخلي أثراً كبيراً؛ فلاح في خاطري العدد الرّابع عشر من الإصحاح الأوّل في إنجيل يوحنّا: "والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا".  يسوع القدّوس، ابن الله، الّذي بلا خطيّة، قد ترك مكانه النّقيّ والنّظيف والطّاهر في السّماء، وحلَّ بين الخطاة لمدّة ثلاث وثلاثين سنة.  كانت رائحة الخطيّة حوله كريهة نسبة إلى شخصه الإلهيّ كما هي رائحة هذا الرّجل بالنّسبة إلينا.  ولكنّ يسوع عانق الخاطئ، والأبرص، والزّاني، والمخادع، وأحبّهم، كما أحبّ الضّعيف والمريض عقلياًّ والأطفال.

كانت طبيعتي تدفعني إلى الابتعاد عن الرّجل ذي الرّائحة الكريهة، أمّا طبيعة يسوع فكانت تدفعه إلى العيش في وسطنا، مُظهراً محبّته لنا، ونعمته في أثناء خدمته بيننا.  الكلمة صار جسداً . . . وعاش بيننا . . . القدّوس بين المُدنَّسين، الطّاهر بين الفاسدين، والبارّ بين الخطاة.

AddToAny