وجهة النّصر

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

معارك كثيرة خاضها قادة أقوياء خلال العصور ولم تُعرف نتائجها إلا بعد خوضها. وكم من المعارك توقّع قادتها الانتصار فيها لكنّهم باءوا بفشل ذريع. كلّ منّا يفتش عن انتصار حقيقي، عن غلبة حتميّة مستمرّة. ويعمل البعض لتحقيق هذا الهدف على استخدام كافة أنواع الأسلحة حتى الفتّاكة منها.  لكن أين يا ترى تكمن وجهة النصر الحقيقيّة؟

من العبارات الشهيرة التي استخدمت خلال الحروب عبارة "إعرف عدوّك"، وهذا صحيح لأن معرفة العدّو وقدراته وأسلحته تساعد كثيرًا في خوض المعركة بنجاح. والعدوّ الحقيقيّ لكلّ مؤمن بالمسيح هو إبليس الّذي يصفه الكتاب المقدّس "كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه". إنه إذاً عدوّ قويّ جدًّا بل أقوى ممّا نفتكر. وبما أنّه كائن روحيّ فعلى الأسلحة المستخدمة ضدّه أن تكون أسلحة روحيّة لا جسديّة مادّية، كما يظنّ البعض، قادرة على تحقيق نصر حقيقيّ بحسب وعد الرّبّ.  

فالسّلاح الأوّل هو الإيمان بفعاليّةِ دم يسوع المسيح في مغفرة الخطايا، كما يقول يوحنا الرائي "وهم غلبوه بدم الخروف" (رؤ 11:12). لقد حاول إبليس القضاء على عملية الفداء مبكرًا حين أمر هيرودس بقتل أطفال بيت لحم من عمر سنتين وما دون، ظنًّا منه انه يتخلص من الطفل يسوع، إلاّ أنّه لم ينجح بهذا. وحاول الشيطان أكثر من مرّة، في خلال خدمة المسيح على الأرض، القضاء عليه وفشل. وعندما مات المسيح على الصّليب ظنّ إبليس أنّه حقّق نصره المرجوّ، إلاّ أنّ المسيح قام من الأموات ظافرًا منتصرًا مجرِّدًا الأعداء ومتمّمًا الفداء. غير أنّ الإيمان بالمسيح ليس مجرّد معرفة ذهنيّة بل انه، أكثر من ذلك، معرفة اختباريّة عمليّة تغيّر الإنسان بأكمله، نعم "هذه هي الغلبة الّتي تغلب العالم: إيماننا" (1يو 4:5).

والسّلاح الثّاني هو كلمة شهادتنا للمسيح. إنها ليست شهادتنا عن أنفسنا وإنجازاتنا، ولا عن قادتنا ورؤسائنا، بل شهادتنا عن شخص المسيح وخلاصه العجيب. أكثر ما يزعج عدوّنا ويدفعه إلى الهروب هو تمسّكنا بالشّهادة لشخص الرّبّ وخضوعنا له. وهل من مشهد أكثر روعة من أن نرى العدو وهو يهرب من أمامنا؟

والسّلاح الثّالث الذي يجب أن نتسلّح به دومًا لئلاّ نصاب بالكبرياء التي يستخدمها العدوّ لينقضّ علينا، هو سلاح التواضع ونكران الذّات. فأمام محبّة المسيح الفائقة واللاّ محدودة وفدائه وغفرانه الكامل، ترخص حياتنا ويصبح لسان حالنا "إن عشنا فللرّبّ نعيش وإن متنا فللرّبّ نموت فإن عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن". إن تكرّسنا الكامل للرّبّ يسوع المسيح والعيش لإرضائه على أساس أنّه هو يزيد ونحن ننقص يعطينا غلبة حتميّة على الخطيّة والشّيطان.

لا تخف أيّها المسيحي المؤمن من الّذين يقتلون الجسد ولا يقدرون على قتل النّفس بل خف بالحري من الّذي يقدر أن يهلك النّفس والجسد كليهما في جهنّم. لقد أثبت التّاريخ أنّ وضع الثّقة في التّحالفات والقوّة العسكريّة لا يكفي لتحقيق النّصر؛ فلا تستطيع قوّة على الأرض أن تحمينا أو تكون بديلاً لقوّة الله في حياتنا. فلنتمسّك بالمسيح لا "بمسيحيّتنا"، بكلمة شهادته لا بشعاراتنا، ولتكن أرواحنا ودماؤنا لمجد المسيح ولتحقيق ملكوته. إن اليوم قريب الّذي فيه سيأتي المسيح ويضع أعداءه تحت قدميه وسنملك معه إلى الأبد، هذه هي وجهة نصرنا الحقيقيّة.

AddToAny