يسوع يشفي رجلاً به روح نجس

الموضوع:
العدد:
السنة:

عاش رجلٌ مجنون في كورة الجدريّين لم يكن مُصابًا بأمراضٍ عصبيّة أو نفسيّة بل كان مسكونًا بالشّياطين. وكان شخصًا شرسًا وبربريًّا يسكن القبور. لم يقدر أحد على أن يروّضه أو يربطه بسلاسل أو قيود إذ كان يملك قوّة شيطانيّة فائقة الطّبيعة تدفعه إلى تحرير نفسه.كان يصاب بنوباتٍ مخيفة ويُساق طوال الوقت من الشّيطان عاريًا في الجبال وبين المقابر ليلاً ونهارًا يصرخ بصوتٍ عظيم لشدّة يأسه ويُجرّح نفسه بالحجارة. وقع رعبه على المناطق المجاورة لفترةٍ طويلة ولم يكن أحد ليجرؤ على الاقتراب منه. وقع تحت تأثير الشّيطان وقيادته بكلّ ما للكلمة من معنى. يا لتعاسته وبؤسه! كم كان بأمسّ الحاجة إلى أن يلتقي بيسوع ليحرّره من قبضة إبليس!

ما إن رست سفينة يسوع على شاطئ الكورة حتّى استقبله الرّجل النّجس وطرح نفسه أمامه متوسّلاً: "ما لي ولك يا يسوع ابن الله العليّ. استحلفك بالله أن لا تعذّبني". لم يكن هو المتكلّم بل الشّيطان الّذي بداخله. ولم يأتِ إليه ليؤذيه أو ليطلب الرّحمة وإنّما ظنًّا منه أنّ يسوع، الإله المتجسّد، أتى باكرًا  ليُهلكه ويطرحه في بحيرة النّار والكبريت. وفيما هو مرتعبٌ وخائفٌ سأله يسوع "ما اسمك" أجابه "لَجِئون لأنّنا كثيرون". لم يكن الرّجل مسكونًا بروحٍ نجسٍ واحد وإنّما بعدد هائل من الأبالسة. فطلبوا منه أن لا يُرسلهم إلى خارج الكورة أو إلى الهاوية بل إلى قطيع الخنازير الّذي كان يرعى هناك، فقَبِلَ طلبهم. فغادروا الإنسان في الحال واندفع القطيع بسرعة فائقة إلى البحر واختنق، وضمّ نحو ألفين.

ركض الرّعاة، على أثر ذلك، إلى المدينة والضّياع ليُخبِروا النّاس بما حصل. ولمـّا أتى هؤلاء طلبوا منه أن يغادر كورتهم بسرعة لِمَا سبّبه لهم من خسائر مادّيّة لا تُعوَّض.فبدلاً من أن يقدّروا نعمة الرّبّ ويشكروه على شفائه للمجنون، غضبوا عليه وطردوه. إلاّ أنّ يسوع اعتبر أنّ حياة هذا الإنسان أثمن بكثير من تلك الحيوانات النّجسة الّتي حرّم الله اقتناءها وتناولها. لقد غيّر المسيح الرّجل من كونه عاريًا ومتوحّشًا إلى إنسانٍ لابسٍ ثيابه وبكامل قدراته العقليّة جالسٍ عند قدمَي يسوع يتمتّع بالسّلام والفرح والرّاحة والتّحرّر من سلطة إبليس. وهذا ما وعد به إذ قال "فإن حرّركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يوحنّا 8: 36).    

وإذ همّ يسوع بالمغادرة تقدّم منه الرّجل الّذي شُفِيَ وتوسّل إليه أن يتبعه. لقد كان على استعدادٍ تامّ لأن يتخلّى عن أهله وأقاربه ومدينته ويبقى مع يسوع. إلاّ أنّ الرّبّ امتلك مخطّطاً آخراً لحياته وهو أن يشهد للنّاس بِكَم صنع به ورحمه. وهكذا أطاع الرّبّ وراح ينادي في العشر المدن بكم صنع به يسوع، فتعجّب الجميع.

نرى في هذه القصّة عظمة الرّبّ وقدرته على الأرواح الشّريرة وعلى تحرير النّاس من قبضة الشّيطان. كما نرى، عبر العصور، رفض النّاس ليسوع. فهم لا يقبلون أن يملك عليهم بل يريدونه خارج حياتهم خوفًا من أن يخسروا أشياء هم غير مستعدّين لأن يتخلّوا عنها. فلنتذكّر تحذير الرّبّ لنا إذ يقول: "لأنّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وأهلك نفسه أو خسرها؟" (لوقا 9: 25).