يوحنا مرقس كاتب أول إنجيل

العدد:
السنة:

هو يوحنا مرقس، يهوديّ من سبط لاوي. ولد في القيروان، من أسرة ميسورة أحسنت تعليمه. أتّقن اليونانيّة واللاتينيّة والعبريّة. أمه مريم أخت برنابا كانت إحدى المريمات اللواتي تبعن المسيح ودعمن الخدمة. وقد كان ذو قرابة مع زوجة بطرس. يوحنا اسمه اليهودي الذي يعني "الله حنّان أو حنون"، ومرقس اسمه الامميّ الذي يعني "مطرقة".

لم يكن مرقس من بين التلاميذ الاثني عشر، لكن ذكر المؤرخون أنه كان من بين السبعين الذين أرسلهم الرب. بيئة نشىأته جعلته يتعرّف على تعليم المسيح الصحيح. وهو لم يبدأ كرازته منفرداً بل رافق بطرس وبولس وبرنابا في خدمتهم.

كان حريصاً على عمل الصّواب، لكنه ضعيفاً في مواجهة المتاعب. ربما يعود الأمر إلى تنشئته الميسورة. فعندما كان مع بولس وبرنابا في رحلتهما التبشيرية الأولى وتوقفوا في برجة بمفيلية، تركهما عائدًا إلى أورشليم. وكان قراره هذا صدمة لبولس إذ لم يفهم تصرفه، خاصة وأن الخدمة كانت ناشطة ووالي قبرص سرجيوس بولس آمن بالرب. أما برنابا فكان صبوراً معه وعاد ورشّحه ليكون ضمن فريق الرحلة التبشيرية الثانية إلا أن بولس رفض ذلك خوفاً من أن يتركهما في منتصف الطريق مجددًا. فانقسم الفريق، وأخذ بولس سيلا معه بالوقت الذي انصرف برنابا ليرعى مرقس وليدربه في قبرص. وقدّم برنابا التشجيع المتأني لمرقس عبر السنين. وكان مرقس ينمو في الإيمان وينضج في الشخصية. وبعد حوالي خمسة عشر سنة صار مرقس جاهزًا لمرافقة بولس في العمل فصارا صديقين مقرّبين من جديد.

وكان لشخصية مرقس بصمة على إنجيله. فانتقاله من حياة هانئة ميسورة إلى خدمة المسيح في ظروف قاسية جعلته يرى بوضوح أكثر عمل الرب العظيم. إذ الله القدير صار عبداً لأحبائه. فكتب عن المسيح الخادم الذي جال يصنع خيراً دون تعب أو كلل. مظهراً سرعة المسيح في تلبية احتياجات شعبه. ولكونه كان عاطفياً كان على دراية في فهم مشاعر وأحاسيس الآخرين، فاهتمّ بتدوين مشاعر الرب، فوردت العبارات التالية في انجيله: "تحنن يسوع"، "فللوقت شعر يسوع"، "فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ"، "أني أُشفِق على الجميع"، و"فنظر إليه يسوع وأحبه".

أما من ناحية الفكر، فتميّز اسلوبه بالتدقيق في تفاصيل الأحداث ووضع شروحاته عليها. فمن جهة الاسماء ذكر مثلاً "متى هو ابن حلفى"، "بارتيماوس الأعمى إبن تيماوس". وعندما استخدم كلمات آرامية، ترجمها، ككلمة "قربان" معناها "هدية"، و"طليثا" معناها "صبية".

هذه الأمور تعكس رغبة مرقس بتقديم إنجيله بمعلومات وصور متكاملة تحوي أدق التفاصيل التي تندمج معها المشاعر لتنقل قارِئ اليوم إلى زمن تجسد الرب فيرى من خلال الكلمات تفاصيل الأحداث ويشعر بها ليكون كتابه وحدة متكاملة متراصة تضرب القلوب المتحجرة كالمطرقة التي تضرب الصخر لتحطمها.

مرقس هذا الشاب المتردد في بداية خدمته، الذي كان يندفع حيناً ثم يتراجع حيناً آخر، يطلب النجاح ثم يهرب إلى الفشل، أجمع الدارسون أنه أول من كتب إنجيل البشارة. فصار مقدامًا ومثالاً لغيره. كان خادمًا للرب ولخدّامه. الانجيل الذي كتبه بوحي الروح القدس ترك فيه لمسته العاطفية وفكره المدقّق فكان أسلوب كتابته مملوءًا بالمشاعر والعلم، بالعطف والقوة. فأظهر في كتابه حنان الله ومطرقة الكلمة. أظهر فيه يوحنا "الله الحنّان" ومرقس "المطرقة".

AddToAny