يوحنّا "الذّهبيّ الفمّ"

العدد:
السنة:

إنّه أسقف القسطنطينيّة، وأعظم وعّاظ الكنيسة الأولى. عاش خلال العصر الذّهبيّ للأدب المسيحيّ المُبكِر، ومُنح لقب "ذهبيّ الفمّ" بعد وفاته بمئة وخمسين سنة، لفصاحته وجمال أسلوبه وروعة كلماته. مات شهيد صراحته وشجاعته، وشهيد محبّته للإنجيل وحرصه على تطبيقه، وشهيد حسد الأساقفة وغطرسة امرأة.

نشأة يوحنّا وتكريسه للمسيح

وُلِد في أنطاكيا حوالى العام 347م، وسط عائلة مُثقّفة ومتوسّطة الحال. كان والده "سيكوندوس" مسيحيًّا وضابطًا رفيع المستوى في الجيش، توفّي بعد ولادة يوحنّا بوقت قصير، فاهتمّت به والدته "أنثوزا". عاش يوحنّا طفولته في أنطاكيا، وتعلّم على يد "ليبانيوس"، أحد أعظم معلّمي الخطابة. بسبب مواهبه الاستثنائيّة، توقّع أصدقاؤه أن يختار المحاماة، إلاّ أنّ يوحنّا كرّس حياته للمسيح ولخدمته. تعمّد في العام 368م، ودرس الأسفار المقدّسة على يد "مليتيوس" أسقف أنطاكيا. وقبل انخراطه في العمل الكنسيّ وتقدّمه في الخدمة، ذهب يوحنّا إلى الرّيف حيث قضى سنتين في التّأمّل.

في العام 381، رُسِم يوحنّا شمّاسًا ثمّ كاهنًا في كنيسة أنطاكيا، وخدَم في المدينة أربع عشرة سنة واعظًا بالكلمة ومُفسّرًا الكتاب المقدّس. خلال هذه الفترة، كتب يوحنّا عظاته المبنيّة على الأسفار المقدّسة، مشدّدًا فيها على التّأمّل في شخص المسيح وتطبيق كلمة الله في حياة المؤمنين الرّوحيّة والأخلاقيّة.

مواقفه تُسبّب الاضطهاد له

خطَف العسكر يوحنّا في العام 398، بأمر من الإمبراطور نفسه، إلى القسطنطينيّة وعُيّن رئيس أساقفتها بالقوّة. وقد قَبِل يوحنّا الأمر على أنّه تدبير من الله. لكنّ هذا الأمر سبّب له أعداءً كثيرين، منهم "ثيوفيلوس" أسقف الإسكندريّة، والّذي كان يدعم شخصًا آخر لهذا المركز. في بادئ الأمر، كان يوحنّا على علاقة جيّدة مع الإمبراطورة "يودوكسيا". إلاّ أنّ غيرته وعدم مساومته على الإصلاح، وازدراءه بحياة التّرف ومجون أهل البلاط، وجرأته الأدبيّة والخطابيّة سبّبت له أعداء داخل القصر الإمبراطوريّ. وقد زاد الأمر سوءًا عندما عزَل بعض الأساقفة في مدينة أفسس، بسبب بيعهم للمناصب الكنسيّة وسلبهم أموال الكنيسة. في الوقت نفسه، كان "ثيوفيلوس" ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على يوحنّا وعزْلِه من منصبه. وعندما كانت جماعة من الرّهبان في مصر تتبع المذهب الأوريجنّي، رُفعت قضيّتهم إلى يوحنّا الّذي رفض الحكم عليهم قبل سماعهم، فاستغلّ "ثيوفيلوس" الحادثة كحيلة للقضاء عليه.

 

 

خدمات يوحنّا وأعماله

في بداية خدمته في القسطنطينيّة، كرّس يوحنّا نفسه للوعظ والإشراف على الكنائس. ودَعَم الجهود الإرساليّة بين قبائل القوطيّين في بلاد البلقان، وشجّع على الوعظ وتفسير الكتاب المقدّس باللّغة المحليّة. كما ألغى كلّ وسائل التّرف في قصره الأسقفيّ، وباع أعمالاً فنّيّة باهظة الثّمن كانت ملكًا لأسلافه من الأساقفة. ووقف بالمرصاد ضدّ رجال الإكليروس الّذين كانوا يتنعّمون بسخاء الأغنياء، ومَنَع العذارى والشّمّاسات من السّكن معهم لخدمتهم لتجنيبهم السّقوط في الخطيّة. كما رفض إقامة المآدب الفاخرة، والتّجوّل في عربة خيل أو التّردّد على القصر الإمبراطوريّ. لقد وفّر يوحنّا، في عمله هذا، مبلغًا من المال بنى به مستشفى للفقراء. في أيّامه، كان نصف عدد سكّان المدن الكبرى، كأنطاكيا والقسطنطينيّة، مسيحييّن. وكان المسيحيّون يُخالطون الوثنيّين فاكتسبوا الكثير من عاداتهم، واقتدوا بهم في أعيادهم وأعراسهم ومآتمهم، فقام يوحنّا يُقبّح تلك العادات ويُبيّن أضرارها. واعتُبرت أيّام الآحاد أيّام عطل رسميّة مُنِعت فيها ألعاب السّيرك والمسرح، وأٌقفِلَت معابد الوثنيّين وحُرِّمَت ذبائحهم. لم يتمكّن يوحنّا من إلغاء العبوديّة، إلاّ أنّه قال: "إنّ العبوديّة هي نتيجة خطيّة الجشع والحسد ومحبّة المال". وسأل المؤمنين: "لماذا تحتاجون إلى هذا العدد من العبيد؟ أعطوهم حرّيّتهم! ألا تعلمون أنّ ضرب العبْد وتكبيله بسلاسل هو عمل غير إنسانيّ؟!".

نظرة يوحنّا إلى الكتاب المقدّس ونبذه للخرافات اليهوديّة

كان يوحنّا ضدّ التّفسير المجازيّ للكتاب المقدّس، الّذي تُعلّم به مدرسة الإسكندريّة، والّذي يعتمد على قواعد تفسيريّة غريبة تسمح بتفاسير دخيلة على تعاليم كلمة الله. أمّا هو فقد اتّبع النّمط الأنطاكيّ للتّفسير، الّذي يعتمد على قواعد اللّغة والتّفسير الحرفيّ للكتاب المقدّس. وقد اقتدى المُصلِحون الإنجيليّون، في وقت لاحق، بيوحنّا، وقرّروا الرّجوع إلى مبدأ "الكتاب المقدّس وحده" (Sola Scriptura). كما كان شديد التمسّك بالكتاب المقدّس، يبني مواعظه وكتاباته على آياته، وقد استشهد بالعهد الجديد ما يزيد على أحد عشر ألف مرّة. وشملت محاضراته معظم النّواحي المسلكيّة والاجتماعيّة للإنسان، وكان له تفاسير للمناسبات والأعياد المقدّسة. لم يبق من كتاباته، إلى يومنا الحاليّ، سوى ستّ مئة عظة ومئتي رسالة. وتُعتبر عظاته عن "أعمال الرّسل" العمل التّفسيريّ الوحيد المتبقّي حول هذا السّفر من الألفيّة الأولى للمسيحيّة.

كما كان يوحنّا واعظًا مُقتدرًا وشعبيًّا، وكان النّاس يتدافعون وسط الحشود لسماعه. وعلى الرّغم من شعبيّته هذه، كان يُصاب أحيانًا بالفشل بسبب "طَرَش" سامعيه الّذين كانوا لا يطبّقون الحقائق الّتي كان يُنادي بها أسبوعيًّا. وقد اشتكى في أحد الأيّام قائلاً: "إنّ عملي يُشبه رجلاً يُحاول تنظيف قطعة أرض يصبّ فيها جدول مُوحِل باستمرار". يعتبر بعضهم يوحنّا معاديًا للسّاميّة بسبب اعتباره اليهود أردياء وغير نافعين لشيء. وكان ينتقدهم لحثّ المسيحييّن على عدم اتّباع العادات اليهوديّة الخرافيّة كما كانوا يفعلون يومها.

إدانة يوحنّا الذّهبيّ الفمّ وقتله

حُكِم على يوحنّا في مجمع "أوك"، عام 403، بسبب تُهم مُلفَّقَة، منها افتراؤه على الإمبراطورة وتشويه سمعتها (إذ شبّهها يومًا بـ"هيروديّا" الّتي طلبت رأس يوحنّا المعمدان)، وتعليمه عقائد المذهب الأوريجنّي! إلاّ أنّ السّبب الحقيقيّ الكامن خلف هذا الحُكم هو وعظ يوحنّا الجريء ضدّ الخطيّة، وتكلّمه ضدّ الأعمال الشّرّيرة للإمبراطورة ورجال البلاط. فنُفي من القسطنطينيّة لمدّة ثلاثة أيّام إلى جبال "طوروس"، بأمر من الإمبراطورة وبتحريض من "ثيوفيلوس" ونخبة المجتمع في المدينة. لكنّه عاد، بعدما توسّلت إليه الإمبراطورة نفسها بالرّجوع، إثر زلزال ضرب المدينة. ثمّ نُفي مرّة ثانية إلى جبال "طوروس"، وللأسباب نفسها، لمدّة ثلاث سنوات حيث تألّم نتيجة المناخ القاسي والبرد الشّديد. وعلى الرّغم من ذلك، استمر في كتابة رسائله القويّة للشّعب، والّتي اعتُبرت من روائع الأدب المسيحيّ. وقد استمرّ أتباعه في أخذ التّعليمات منه وهو في المنفى.

على الرّغم من تقدّمه في السّنّ وضعفه، وسوء صحّته النّاتج من الحياة القاسية الّتي كان يعيشها في المنفى، كان أعداؤه يرون أنّ حضوره لا يزال قويًّا وسط الشّعب، وقرّروا إبعاده إلى منطقة البحر الأسود. فتمّ نقله من منفاه في جبال "طوروس" إلى البحر الأسود، وهو مُقيّد القدمين. لكنّ يوحنّا لم يصِل إلى منفاه الجديد بسبب مرضه الشّديد، وأمضى ليلته الأخيرة قبل وفاته في كنيسة القدّيس "باسيليوس الشّهيد"، في "بونتوس" (هي اليوم في تركيا). في تلك اللّيلة، خلع يوحنّا عنه ثيابه القديمة، ولبس رداءًا جديدًا أبيض، ووقف في الكنيسة مُسَبِّحًا الله، قائلاً: "المجد للرّبّ الإله على كلّ شيء، آمين". وكانت هذه كلماته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه في ذلك اليوم، في 14 أيلول 407م. أمّا هو، وإن مات يتكلّم بعد!

---------------------------------------------------

أقوال خالدة ليوحنّا الذّهبي الفمّ

في يوم الجمعة العظيم: "الصّليب هو، بالنّسبة إلينا، نبعُ خيرات لا تُحصى: إنّه هو الّذي ينشلنا من الخطايا ويُنير لنا الظّلام ويُقرِّبَنا إلى الله. لقد دمّر الصّليب العداوة، أوقف الحرب، صالح مع الرّبّ الّذين كانوا غرباء عنه وأدخلهم في عائلته. الصّليب يحمل لنا الأمن والسّلام. إنّه كنز كلّ الخيرات... بالصّليب، لم نعد أرامل، فقد استقبلنا العريس... لهذه الأسباب نحن نحتفل بالعيد، نُعيّد لذكرى الصّليب".

في فصح القيامة: "اليوم نحتفل بنصر بهيّ. اليوم، ربّنا يرفع عاليًا رمز الانتصار على الموت. لنفْرَح جميعًا. لنُهلِّل ونغتبط... لأنّه من أجل خلاصنا صنع كلّ هذا. الوسائل الّتي استعملها الشّيطان لمحاربتنا، هي نفسها الّتي استخدمها المسيح لكي يهزمه".

في الكتاب المقدّس: "المروج والبساتين جميلة، لكنّ قراءة الكتاب المقدّس أجمل. هنالك ترى الأزهار الّتي تذوي وتذبل، وهنا الأفكار تُزهر. هنالك يهبّ النّسيم، وهنا روح الله. هنالك الشوك يُسيّج البستان، وهنا عناية الله تسوّر حياتنا... البستان عرضة لتأثير الفصول، والكتاب المقدّس لا يؤثّر فيه صيف ولا شتاء، بل هو على الدّوام مُورِق وحامل الأثمار".

في الحثّ على الفضيلة: "قال الرّبّ يسوع لأتباعه: ليُضِئ نوركم هكذا قُدّام النّاس ليروا أعمالكم الحسنة، ويُمجِّدوا أباكم الّذي في السّموات. لأنّ الفاضل السّيرة يُخلّص كثيرين بتعاليمه ومثله. ولست أعني بالسّيرة الفاضلة الصّوم الدّائم والنّوم على الرّماد ولبس المسوح، بل الفاضل السّيرة هو الّذي يزهد في جمع الأموال ويُطعِم الجائع ويكسو العريان ويُحبّ خلائق الله كلّها، ويكبح جماح الغضب ولا يكذب ولا يسرق ولا يُخالف الشّريعة".