Vinci Decoded حلّ شِفرة دا فِنشي

الموضوع:
العدد:
السنة:

لا بدّ من الاعتراف بأنّ تأليف كتاب رائج يحتلّ المرتبة الأولى عالميّاً في المبيعات ليس بالأمر السّهل.  فكتاب "دا فِنشي كود" The Da Vinci Code"" (أو "شِفرة دا فنشي") لـ"دان براون"، فيه ما يكفي من العناصر الّتي تؤهّله لهذا النّجاح.  وقد أحدَث صدوره ثورة في عالم الخيال، وهو يُشكّل مادّة دسمة لفيلم يصوّر علاقات غراميّة مثيرة لشخصيّات مهمّة.  كما إنّه يُعيد كتابة الرّسالة المسيحّية بشكل مُختلف يروق لكثيرين.

الصّفحة الأولى من هذا الكتاب، والّتي تسبق القصّة، هي تحت عنوان "الحقيقة"، وهي تُعلن للقارئ أنّ "جميع الأعمال الفنّيّة والمعماريّة، وكلّ الوثائق والطّقوس السّرّية المصوّرة في هذه الرّواية صحيحة ومؤكّدة".  ولكنّ هذه الجملة بحدّ ذاتها هي من صنع الخيال.  فقد ذكر المؤلّف في كتابه ثماني مرّات أنّه يقتبس من "مؤرّخي الفنّ ومؤرّخي الدّين والأكاديميّين" من دون الإفصاح عن أسماء هؤلاء.

وفي كلّ مرّة كان "دان براون" يظهر وكأنّه يتكلّم على أشخاص حقيقيّين، إلاّ أنّ كلامه، في الواقع، لم يكن إلاّ وهماً زائفاً.  ويسأل القارئ: من هم هؤلاء المؤرِّخون؟  لماذا لا يذكر أسماءهم؟  ما هي المؤهّلات والامتيازات والمواقع العلميّة الّتي يحتلّونها؟  ما هي نسبة المؤرّخين الّذين يؤيّدون فعليّاً ما يكتبه "براون"؟  ولا يصل المرء إلاّ إلى استنتاج وحيد: إنّ "دان براون" يكتب ببساطةٍ روايته الخياليّة، وهو بالتّالي لا يملك أسماء فعليّة ليكشفها.

خيال يُسمّى حقائق واقعيّة

يقول المحقّق الصّحفيّ "دايفيد شوكارتز"، في كتابه "أسرار الشِّفرة"، إنّه سجّل تسعة وستّين خطأً واقعيّاً، ثمانية أخطاء منها يمكن اعتبارها عاديّة وتافهة، أمّا الأخطاء الواحد والستّون الباقية فهي أخطاء تاريخيّة جسيمة.  والملاحظ أنّ هذه الأخطاء هي بنسبة خطأ واحد لكلّ سبع صفحات ونصف، وأنّ اثنين من أصل كلّ ثلاثة "وقائع" يثيرها "دان براون" هي فعليّاً زائفة!  كان التّغاضي عن هذه الأخطاء ممكناً لو أنّها لم تتضمّن قضايا تتعلّق بالله ويسوع والكتاب المقدّس؛ فلا أحد يرضى التّضليل في مواضيع كهذه.  إنّ كيفيّة تجاوب الإنسان مع يسوع المسيح تُحدّد مكان أبديّته.

يقول "دان براون"، مثلاً: إنّ "الكتاب المقدّس قد تطوّر عبر التّرجمات والإضافات والطّبعات المنَقَّحة الّتي لا تُعدّ".  لكنّ حقيقة الأمر هي أنّه لدينا حوالى خمسة وعشرين ألف مخطوطة للعهد الجديد، أي ما يفوق كثيراً جدّاً عدد المخطوطات المتوفِّرة لأيّ كتاب قديم آخر، الأمر الّذي يجعلنا نثق بأنّنا نملك النّصوص الأصليّة.  أمّا التّرجمة، فتهدف إلى تأمين ترجمات أمينة ودقيقة وبلُغة معاصِرة لتلك الوثائق المكتوبة باللّغات الأصليّة.  

وفي ما يختصّ بالله، فهو شخص حقيقيّ، أمّا إذا كان ذكراً أو أنثى، فهذا الأمر لم يكن موضوع نقاش عند كُتّاب الأسفار المقدّسة، كما هو بالنّسبة إلى "براون".  نقرأ في العهد القديم عن حضور "الشّكينة"، وهي ليست أنثى تُعادل الله، بل بالأحرى هي غيمة مجد الله كما كانت تنزل في الهيكل.  هذه الأمور واضحة جدّاً في الكتاب المقدّس، ويتساءل المرء لماذا يعتقد "براون" أنّ قرّاءه يسهل خداعهم.

الأناجيل

يقول "دا فِنشي كود": "في الأصل كان هناك أكثر من ثمانمئة إنجيل تذكر سيرة يسوع".  ولكنّ هذا أيضاً ليس صحيحاً، ففي الأعوام الثّلاثمئة الأولى بعد المسيح، كان هناك حوالى خمس عشرة سيرة، أربع منها هي الأناجيل الأربعة، الّتي تُشكّل العهد الجديد وهو جزء من الكتاب المقدّس.  وقد وُجِدت ستّة أجزاء أخرى وبعض الأساطير عن طفولة يسوع.  ولكن ما يُميّز الأناجيل الأربعة: متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا، هو كونها قد كَتبَها شهود عيان، بينما الكتابات الأخرى ليست سوى أساطير.

أمّا مخطوطات البحر الميّت الّتي وُجِدت في العام 1947، والّتي بحسب "دان براون" قد اكتُشِفت في العام 1950 وقد أخفتها الكنيسة الكاثوليكيّة لإمكانيّة احتوائها معلومات تؤذي سمعة المسيح والدّيانة المسيحيّة، فقد كُتِبت بجملتها قبل أيّام المسيح، لذلك فهي بالتّأكيد لا تذكر أيّ شيء عن يسوع.  ويكمن سبب تأخير نشرها في صعوبة جمع أجزائها الصّغيرة، لكنّها متوفّرة ويمكن قراءتها اليوم.  أمّا بالنّسبة إلى "قسطنطين" وإصداره كتاباً مقدّساً جديداً، فإنّ العهد الجديد قد أُثبِتَ وضعه منذ مئة سنة قبل "قسطنطين"!  ولم يكن هو من غيّر يوم الرّبّ من السّبت الى الأحد كما يدّعي "براون".  خصوصاً أنّنا نقرأ في الكتاب المقدّس، أنّ أتباع يسوع الأوائل كانوا يُقيمون العبادة يوم الأحد ليتذكّروا يسوع، الّذي مات عن خطاياهم على الصّليب ثمّ قام ثانية في أوّل أيّام الأسبوع، أي يوم الأحد.

ألوهيّة يسوع

هناك أكثر من خمسمئة آية في العهد الجديد، تؤكِّد أنّ يسوع هو الله نفسه.  فالله أخذ بنفسه جسداً إنسانيّاً، وصار يسوع في الوقت عينه إلهاً حقّاً وإنساناً حقّاً.  لم يكن مجمع "نيقية" هو الّذي أقرّ بألوهيّة المسيح.  لكن، عندما جاء من يُشكِّك في ألوهيّة يسوع، كما يفعل "براون" اليوم، اجتمع القادة المسيحيّون في ذلك المجمع وحسموا الجدل، وردّوا على التّعليم الخاطئ، وجاءت نتيجة التّصويت 316 شخصاً (حوالى 99 %) مع ألوهيّة المسيح مقابل شخصَين اثنَين (أقل من 1%) ضدّها، وقد اعتبر "براون" هذا التّصويت متقارب النّتائج نسبيّاً!

ويذكر كتاب "دا فِنشي كود" أنّ يسوع كان متزوّجاً من مريم المجدليّة (المذكورة في الكتاب المقدّس ثلاث مرّات أو أربع فقط) وقد أنجبا ولداً.  وهذه الفكرة كُتِبَ عنها للمرّة الأولى بعد المسيح بثمانمئة سنة.  إلاّ أنّ ما يكتبه "دان براون" هو بلا شكّ من نتاج خياله الجامح، إذ لا وثيقة قديمة تقول إنّ يسوع كان متزوّجاً.  بالإضافة إلى أنّه لا يمكننا أن نثق بمعلومة جديدة قد يصدرها أحد الكتّاب بعد ثمانمئة سنة من الحدث.  أمّا في ما يختصّ بمريم المجدليّة، فهي ليست من سبط بنيامين، وهذا السّبط لم يكن السّبط الملكيّ كما يدّعي "دان براون"، الّذي يشير إلى فرسان الهيكل، ويقول إنّهم وَجدوا تحت هيكل أورشليم وثائق سريّة تحتوي معلومات محرَّمة عن يسوع.  ولكن، لا أحد سواه يعلم بأمر هذه الوثائق الّتي لم يتمكّن من تقديمها أو إبرازها.

الجمعيّات السّريّة

يحبّ "دان براون" الجمعيّات السّرّيّة.  ويقول إنّ دير رهبان "سايون" كان مكلَّفاً بحراسة أسرار فرسان الهيكل وقد كان يترأسّه أشخاص مثل "اسحق نيوتن" و "ليوناردو دافِنشي".  لكنّ "بيار بلانتار"، وهو أوّل من كشف عن هذا الأمر، قد شهد في المحكمة في العام 1993، وأقسم أنّه قد اختَلَقَ الأمر برمّته.

لماذا يبقى "دان براون" مُصرّاً على أقواله، في حين أنّ كُتّاباً عديدين أكّدوا أخطاءه الجسيمة والمتكرّرة؟  فهو، على غرار الكتب الّتي تختلق نظريّات المؤامرة، يُعطي قرّاءه مبرّرات لعدم التكلّم على يسوع المسيح بوقار وجدّيّة.  أمّا الكتاب المقدّس، فيُحذّرنا من اتّباع الخرافات الموروثة والموضوعة في قوالب جذّابة بهدف التّضليل.  ويعتبر "نابوليون" أنّ ما يؤمن به النّاس من غرائب الأمور غير الموجودة في الكتاب المقدّس هو أمر غريب، وما هذه الغرابة إلاّ لأنّ في داخل كلّ إنسان عداء لله بسبب طبيعته الخاطئة.

وإن كان "دان براون" ينتقد الكنيسة لكونها أذنبت في بعض الحقبات بتأييد الفاشستيّة، الّتي تُخضِع الفرد وحقوقه إخضاعاً كاملاً لمصلحة الدّولة، فإن مسيحيّة الكتاب المقدّس لا تؤيّد سوء استعمال السّلطة.  والدّيانة المسيحيّة ليست عدوّة للمرأة كما يدّعي "براون"، بل على العكس، إذ إنّ يسوع قد حرّر المرأة بأفعاله وأقواله.  

صليب المسيح

موت المسيح وقيامته لا يظهران مطلقاً في كتاب "دا فِنشي كود"، على الرّغم من أنّهما محور الإيمان المسيحيّ ورسالته.  الدّيانة المسيحيّة ليست مجرّد نصيحة جيّدة وإنّما هي أخبارٌ سارّة.  فبعد أن كنّا أمواتاً بالذّنوب والخطايا الّتي تفصلنا عن الله وتجعلنا تحت الدّينونة، أتى المسيح ليحمل أحزاننا ويتحمّل أوجاعنا.  وهو عندما عُلّق على الصّليب دفع عقاب خطايانا، وجُرح لأجل معاصينا، وقد وَضَع الله عليه إثم جميعنا.  وإذ حمل خطايانا في جسده، رفّعه الله وأعطاه اسماً فوق كلّ إسم لكي تجثوَ باسم يسوع كلّ ركبة ممّن في السّماء ومن على الأرض، ولكي يعترف كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب.

يا له من فرق واضح بين يسوع الكتاب المقدّس وبين الصّورة الضّبابيّة الّتي تعكسها رواية "دان براون" عن يسوع.  ويُخطئ "براون" بقوله: "إنّ معظم النّاس يحتفظون بسجلّ عن أعمالهم"، إذ إنّ شهود عيان هم الذين دوّنوا أنّ يسوع وُلِد، وعاش، وعلّم، وخدم، "وأنّ المسيح مات من أجل خطايانا... وأنّه دُفِن... وأنّه قام في اليوم الثّالث حسب الكتب".

يجب علينا أنا وأنت ألاّ نُنفِق مالنا على رواية مليئة بالأخطاء الفاضحة لأنّها لا تفيدنا.  يحتاج الإنسان إلى معلومات صحيحة ودقيقة ومبرهَنَة ومُختَبَرة فعليّاً.  لذلك اقرأ متّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنّا وتعرّف إلى يسوع الحقيقيّ.  اجعله ربّاً على حياتك، اطلب منه أن يخلّصك ويصبح صديقك إلى الأبد.  من الخطأ إعادة كتابة التّاريخ، ومن الخطأ ابتكار يسوع آخر لا يبالي بحياتنا ولا يقدّم لنا أيّ تحدٍّ، حتّى ولو أدّى ذلك إلى كتاب رائج جدّاً يُعَدّ الأكثر مبيعاً ويعود بربح ماليّ كبير على كاتبه وناشره.  الأمر الأهمّ هو أن تعرف أنّه بإمكانك إقامة علاقة صحيحة مع الله، من خلال يسوع المسيح الّذي يحبّنا وقد أتى إلى العالم لأجلنا، لا سرّاً مكتوماً في ذلك!