سادت العالم حالةٌ من الانبهار بالذّكاء والشّجاعة اللذين تجسّدا في مهمّة أرتيميس 2 التّابعة لناسا؛ حيث انطلقت في الأوّل من نيسان 2026، في رحلة استثنائيّة حول القمر استغرقت عشرة أيّام. إنّ الأبحاث والعمليّات الحسابيّة اللازمة لإرسال أربعة روّاد فضاء لمسافة 250 ألف ميل للدّوران حول القمر هي عملٌ هندسيٌّ يثير الرّهبة، يذكّرنا بروح المغامرة الّتي جسّدتها قصص الخيال العلميّ قديمًا؛ حيث الانطلاق بجرأةٍ إلى حيث لم يصل إنسانٌ من قبل.

ذرّة غبارٍ في فناء الكون

ومع ذلك، فإنّ ضخامة الكون تفوق بكثيرٍ رحلة ربع مليون ميل. فبينما تبدو هذه المسافة مذهلةً لسكّان الأرض، إلّا أنّها مجرّد “نزهة قصيرة” في فناء المنزل إذا ما قورنت باتّساع الفضاء. إنّ نظامنا الشّمسيّ يقبع في زاويةٍ نائيةٍ من مجرّة “درب التبّانة”، وهناك مليارات المجرّات الأخرى وراءها، مما يجعلنا مجرّد ذرّة غبارٍ في هذا الفراغ المهيب.

إنّ هذه الرّحلات تمنحنا شعورًا بضآلتنا، وتساعدنا على فهم لماذا ينظر الخالق إلى كوكبنا الصّغير ويصف سكّانه بالجراد (الجندب) في الآية التّالية: “الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ” (إشعياء 40: 22). واستخدام وصف “الجندب” هنا هو تصويرٌ رمزيٌّ بليغ؛ الهدف منه ليس التّقليل من شأننا، بل إبراز صغر حجمنا الماديّ المتناهي أمام عظمة الكون الفسيح. إنّ البشريّة بحاجةٍ إلى هذه الرّؤية لتدرك حجمها الحقيقيّ حين تنظر إلى الصّورة الكبرى من بعيد.

من ضآلة الحجم إلى سموّ القيمة

لكنّ هذه الضّآلة الماديّة لا تُنقص من قيمتنا، بل تكشف عن تميّزنا؛ فالأرض تظهر ككرةٍ زرقاء فريدةٍ تنبض بالحياة وسط سكون الكون. قد نكون كالجراد من حيث الحجم، لكنّنا كائناتٌ واعيةٌ تمتلك القدرة على الاختراع، والتّواصل، وبناء الحضارة، وحتّى تسخير قوى الطّبيعة. وهذا يطرح التّساؤل الجوهريّ: ما الغاية من وجودنا؟

الإجابة تكمن في “المحبّة الإلهيّة”؛ فالله الّذي أبدع هذا الكون العظيم، هيّأ الأرض لتكون بيتًا لنا، وأظهر محبّته للبشريّة رغم تمرّدها. إنّ جوهر الرّسالة هنا هو أنّ قيمتنا لا تستمدّ من “حجمنا” في الكون أو “إنجازاتنا” التّقنيّة، بل من كوننا موضوع عنايةٍ إلهيّةٍ خاصّة تجلّت في رسالة الفداء. في نهاية المطاف، صحيح أنّنا كائناتٌ ضعيفةٌ إلّا أنّنا كائناتٌ استثنائيّة، ليس لأنّنا غزونا الفضاء، بل لأنّنا نعيش في كنف إلهٍ عظيم يخصّنا بمحبته وغفرانه والهدف الأسمى للحياة.

شاركها.
Exit mobile version