عندما شقّت السّفينة “تايتانيك” طريقها في مياه المحيط الأطلسيّ قبل ما يقرب من قرنٍ من الزّمان، كانت تحمل على متنها أكثر من ألفي ومائتي إنسان. كان المشهد حينها يختزل البشريّة بكلّ تنوّعها وتناقضاتها. فقد ضمّت السّفينة رجالًا ونساءً وأطفالًا، جاؤوا من خلفيّات اجتماعيّة وثقافيّة مختلفة. كما كان على متنها طاقم ٌكبيرٌ يضمّ نحو تسعمائة فرد، من رتب وتخصّصات متعدّدة. حتى المصممون والمالكون كانوا حاضرين، وقد فخروا بصناعة هذا الصّرح البحريّ.

وكانت قوائم الركّاب تعكس تباينًا اجتماعيًّا واضحًا. ففي الدّرجة الأولى، برزت أسماءٌ تلمع بالثّروة والنّفوذ والرّفاهيّة. أمّا في الدّرجة الثّالثة، فكان هناك بسطاء يحلمون بحياةٍ أفضلَ في أمريكا. وبين هؤلاء وأولئك، استقرّت الطّبقة المتوسّطة. وهكذا رسمت السّفينة لوحةً معقّدةً من التّنوّع الإنسانيّ والمكانة الاجتماعيّة.

حقيقةٌ واحدةٌ في وجه العاصفة

لكنّ هذه الفوارق الطبقيّة، وكلّ تلك الأسماء اللامعة، اختفت تمامًا عند وقوع الكارثة. لم تعد هناك حاجةٌ إلى قوائم تصنّف النّاس بحسب ثرائهم أو أصولهم. وبدلًا من ذلك، لم تصدر شركة “وايت ستار لاين” ولم تنشر الصّحف العالميّة سوى قائمتين فقط. القائمة الأولى ضمّت أسماء الّذين نجوا، وانتُشلوا من مياه الأطلسيّ الباردة. أمّا القائمة الثّانية، فكانت بأسماء الّذين غرقوا وفقدوا حياتهم في أعماق المحيط. وفي تلك اللحظة الحاسمة، تلاشى كلّ تمييز بشريّ. وانقسم العالم إلى فئتين فقط: ناجٍ أو مفقود.

الاختيار المصيريّ والرّحلة الأبديّة

وهكذا تبدو رحلة الحياة الكبرى. فمع كلّ التنوّع الهائل بين البشر، هناك منظورٌ أعمق يراهم في فئتين فقط. وذلك بعيدًا عن تصنيفات الغنى والفقر، أو حتّى مظاهر التّديُّن الشّكليّ. فالانقسام الجوهريّ الّذي يحدّد مصير الإنسان يتعلّق بموقفه من الخلاص الأبديّ. إمّا أن يقبل الإنسان عطاء الله، فيسلك طريق النّجاة والسّكينة. وإمّا أن يبتعد عن هذا الطّريق ويعرض عنه. لذلك، أدعوك أن تتأمّل في هذا السّؤال المصيريّ بجديّة: في أيّ القائمتين سيكون اسمك؟ فعندما تنتهي هذه الرّحلة ونقف بين يدي الله للحساب، لن تبقى الألقاب ولا الثّروات. وسيتلاشى كلّ شيء، ولن تبقى إلّا حقيقةٌ واحدة: هل أنت من النّاجين أم من الهالكين؟

شاركها.
Exit mobile version