إنّ التّغيير الجذريّ في حياتنا لهو عملٌ صعبٌ خاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالحقائق “السيّئة” الكامنة في أنفسنا والّتي نميل عادةً إلى عدم رؤيتها. هل لدينا الرّغبة الصّادقة والشّجاعة الكافية للدّخول إلى مناطق عميقةٍ في ذواتنا؛ حيث نواجه “السيّئات” لنختبر التّغيير الجذريّ في الفكر والسّلوك؟

ما هي الميتانويا؟

الميتانويا (Metanoia) هي كلمة يونانيّة تعني حرفيًّا “تغيير العقل” أو “إعادة النّظر”، وتُرجمت إلى كلمة “التّوبة” في العهد الجديد. والتّوبة هي انعطافٌ كاملٌ في التّفكير يؤدّي بالضّرورة إلى تغييرٍ جذريّ في مسار الحياة. تشكّل “الميتانويا” ركيزةً أساسيّةً في مسيحيّة العهد الجديد وتاريخها المُبكر، وتُبنى بشكلٍ مباشرٍ على جوهر رسالة السيّد المسيح الّذي ابتدأ خدمته العلنيّة بدعوة النّاس: ” تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” (متى 4: 17).

“الميتانويا” هي أكثر من ندمٍ عابرٍ على خطيئةٍ معيّنة. إنّها تحوّلٌ جذريٌّ وشاملٌ في النّظرة إلى الذّات، والآخرين، والعالم، والله. إنّها انتقالٌ فعليٌّ من التّفكير والسّلوك البعيد عن الله إلى الحياة الجديدة فيه. وهي تعني أيضاً التّفكير فوق العقل؛ وكأنّنا نقوم بتشغيل “عقلٍ أعلى” يفحص ما في عقولنا الدُّنيا من أفكارٍ ومعتقداتٍ خاطئةٍ بهدف تصحيحها.

شرط الإعتراف بالخطايا

وللرّوح القدس دورٌ مباشرٌ في تبكيت ضميرنا على خطايا اقترفناها الأمر الّذي يدفعنا إلى تصحيح المسار (يو 16: 8). إنّ ممارسة “الاعتراف بالخطأ والخطيّة” ضروريّة إن أردنا العودة عنها ونوال الغفران من الله. هذا يتطلّب قرارًا أخلاقيًّا جريئًا كالّذي اتّخذه الملك داود عندما قال: “أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي. ” (مز 32: 5). يتردّد كثيرون بالإعتراف بخطاياهم خوفًا من أن يجلب ذلك العار عليهم. وهذا ما يُعيق تغلّبهم على خطاياهم ويُمدّد عذاباتهم ويُعمّق شعورهم بالخزي بسبب ما ارتكبوه من خطايا الأمر الّذي يزيد الاضطّراب النّفسيّ والسّلوكيّ عندهم.

طريق الحلّ: الوعي والتّصحيح

أما التّغلّب على هذه الصّعوبة، فهو في مواجهة حقائق حياتنا الحاضرة والماضية والدّخول في حالةٍ من الوعي لممارسة الفحص المتجرّد لأفكارنا وأهوائنا الخاطئة وعواطفنا السّلبيّة. ثم ننطلق لتحديد الخلل في أفكارنا الأساسيّة الّتي تشكّل “العقل الأدنى”، للتغلّب على الأفكار السّوداويّة الّتي تقول لنا أنّنا سيّئين ولا نستحقّ الحياة لنستعمل “العقل الفوقيّ” لنختبر الميتانويا لإعادة صياغة أفكارنا منطقيًّا لنتّجّه إلى الرّبّ ليُخرجنا ممِا تورّطنا به.

وهكذا ينتقل التّائب إلى مرحلة التّصحيح والتّناغم مع مشيئة الله، أو ما يُعرَف بالتّوبة والعمل، وهي مرحلة التّحوّل الذّهنيّ الجذريّ. وهذا ما عرّفته كلمة الله “بتجديد الأذهان” واختبار “التّوبة للحياة” الّتي على أثرها يختبر التّائب الخلاص وينتقل إلى تفكيرٍ جديدٍ وسلوكٍ جديد بمعونة الله المباشرة (أع 11: 18؛ رو 12: 2؛ 2كو 7: 10). لنتذكّر أنّ يسوع يُعلّمنا أنّ الميتانويا – أو التّوبة – هي الطّريق الوحيد للعودة إلى الله واكتساب محبّته، وعيش الحياة الجديدة بحسب مشيئته.

شاركها.
Exit mobile version