من منّا لم يسمع من صديقٍ أو قريبٍ أو فردٍ من العائلة عبارة: “الغربة صعبة كثير”؟

سيخبرك كلّ مغترب عن قصّته، عمّا خسره بسبب تركه وطنه لبنان، فقد تخسر أجمل ما تحبّ: صباحك مع الحبيب، تقبيل خدّ ابنتك قبل الذّهاب إلى العمل، أو مرافقة والدك في أيّامه الأخيرة. لكلّ مغتربٍ قصّته وألمه الخاصّ.

رحلة الاغتراب هذه، كسواها من الرّحلات، مليئة بالتّحدّيات: تحدّيات ثقافةٍ جديدة، ولغةٍ مختلفة، وعملٍ جديد، وبناء شبكة علاقاتٍ وأصدقاء جدد. كما أنّها رحلة إثبات الذّات على الصّعيد العمليّ، وبناء ثقةٍ احترافّيةٍ من جديد. إنّها رحلةٌ صعبةٌ للغاية.

إنّما هي أيضًا، كسائر الرّحلات، مليئة بالجمال: جمال التّعرُّف إلى ثقافاتٍ جديدة، وإثبات الذّات، وتحقيق النّجاح المهنيّ.

ويستمدّ المغترب قوّته من مصدرين أساسيّين: أوّلًا من عائلته، وثانيًا من إيمانه ورجائه.

وفي خضمّ هذه التّحدّيات، وبين لحظات الضّعف والقوّة، يتعلّم المغترب أن ينظر إلى رحلته بمنظورٍ أعمق؛ ليس فقط كاختبارٍ للقدرة على التّحمّل، بل كمسيرة إيمانٍ ونضوجٍ داخليّ. فكلّ ألمٍ يحمله يصقله ليصبح كالذّهب المصفّى، وكلّ اشتياق يعيشه، يصبح خطوة تقرّبه من انتصار جديد. وكأنّه يردّد في أعماقه: “غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ” (مزمور 119: 19).

إنّما، ورغم كّل ما قد يقدّمه العالم من فرص، يبقى في قلب المغترب يقينٌ لا يتزعزع: لا مكان في العالم يشبه وطنه، حيث جذوره وأصوله، حيث الدّفء الحقيقيّ والانتماء الّذي لا يُعوَّض. فالوطن ليس مجرّد مكان، بل هو هويّةٌ وذاكرةٌ وروحٌ تسكن الإنسان أينما ذهب.

شاركها.
Exit mobile version