يرسم سفر الرّؤيا (الإصحاح 13)، ملامح عالمٍ يترنّح تحت وطأة سلطةٍ شموليّةٍ مطلقةٍ تنصهر فيها السّياسة والعسكرة والاقتصاد والدّين تحت رئاسة “الوحش”. لا يقف هذا الوحش وحده، بل يشدّ أزره “نبيّ كذّاب” يُضلّل الشّعوب، فارضًا الولاء للوحش كشرطٍ وحيدٍ للبقاء والاستمرار. ولن يستطيع أحدٌ الخروج من طاعته.
سطوة الوحش وثمن المواجهة
لا تستمدُّ سلطة الوحش قوّتها من بطشه فقط، بل من بريق معجزاته الّذي يسلب العقول فتردّد الجماهير: “مَنْ هُوَ مِثْلُ الْوَحْشِ؟ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَارِبَهُ؟” ومع تصاعد هذا التيّار الّذي يمزج بين الإدهاش والرّعب، يختار الغالبيّة الصّمت والإذعان.
هل سيعرف الخانعون حقيقة الوحش؟ ولماذا يصمتون؟ إنّهم يخشون المواجهة، إذ لا توجد مقاومةٌ بلا كلفة. فمن يرفض الخضوع يحاربه “الحاكم العالميّ” ويمنعه من أن يبيع أو يشتري ويضطّهده وقد يقتله.
فمن هو المستعدّ لهذه الكلفة العالية؟ هنا إمتحان الأمناء: هل يُساومون أم يثبتون في الحقّ مهما كان الثّمن؟ وهكذا، يتحوّل صمت الأكثريّة إلى شكلٍ من أشكال العبادة الضّمنيّة للوحش.
الشّاهدان الشّهيدان: صوت لا ينكسر
يكسر صمت هذا الخضوع أصواتٌ قليلة؛ إذ يظهر فجأة “النبيّان الشّاهدان” (رؤيا 11)، ليقفا بجرأةٍ استثنائيّة، وسلطانٍ روحيّ، وبصيرةٍ نافذة. يفضحان زيف الوحش وتضليله، ويواجهانه بدون مساومة. يُشبه موقفهما مواقف الأنبياء الأقدمين الّذين جابهوا الباطل ببسالة.
وهكذا، يدفع “النبيّان الشّاهدان” ثمن جرأتهما في خلق وعيٍ عالميّ ضدّ الوحش، والتّحريض على رفض تسلّطه على البشريّة. وكما هو الحال دائمًا، يدفع من ينحاز للحقّ ثمنًا غاليًا؛ فيُقتلان وتُلقى جثّتاهما “عَلَى شَارِعِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ… حَيْثُ صُلِبَ رَبُّنَا أَيْضًا.” وتنقل وسائل الإعلام مشهدهما حول العالم. وسيشمت سكّان الأرض بموتهما ويتبادلون الهدايا، لا لشيء إلّا لأنّهما وبّخا العالم لسيرهم خلف الوحش.
قيامة الشّاهدين العجائبيّة
تُظهر الرّؤيا أنّ هناك من سيتجاوب مع موقف النبيّين الشّاهدين؛ إذ سيوجد من يرفض السّجود للوحش أو نيل سِمَتَه. سيُضطّهد هؤلاء ويُقتل منهم الآلاف، حتّى يبدو للعيان أنّ الوحش قد انتصر، فارضًا حكمًا استبداديًّا لم يشهد التّاريخ له مثيلًا.
لكنّ النّهاية المفاجئة تأتي لتقلب الموازين. فبعد ثلاثة أيّام ونصف يُقيمهما الله من الموت ويقفان معلنين أنّ الحقّ لا يُهزم ويُصعدهما الله إلى السّماء أمام نظر أعدائهما. وهنا نتساءل: من يكونان؟ هل هما إيليا وموسى؟ أم أخنوخ وإيليا؟ أم هما نبيّان جديدان؟ أو أنّهما قائدان يبرزان من العالم الدّينيّ أو السّياسيّ أو الإعلاميّ ليجسّدا صوت الحقّ في زمنٍ قاتمٍ لم يعد فيه من يجرؤ على مواجهة الوحش وإبليس؟
الخلاصة: خيار اللحظات الأخيرة
واضحٌ أنّ عالمنا يتّجه نحو ظهور هذا الوحش. والعالم سيخضع لأنّه سيكون منهارًا اقتصاديًّا، وعاجزًا روحيًّا، ومُفلسًا أخلاقيًّا. وسيكون للوحش سيطرةٌ فكريّةٌ شاملةٌ على المنابر الإعلاميّة كافّة. هل من يستعدّ لتلك اللحظة ويملك الجرأة ليُعارض الوحش ولو كلّفه الأمر حياته؟
سيجد النّاس أنفسهم يومئذٍ أمام خيارين لا ثالث لهما: أو الإذعان لحفظ رأسهم أو الوقوف إلى جانب الحقّ ولو أدّى ذلك ليدفعوا الثّمن الغالي جوعًا واضطّهادًا واستشهادًا. أمّا نهاية الوحش ومسيحه الكذّاب ومن يتبعهما فستكون في النّار المعدّة لإبليس، أمّا الرّافضون للوحش فسيكون نصيبهم مع المسيح في مجده.


