المفهوم المغلوط: النّعمة كقوّة قهريّة

يؤمن أتباع الحتميّة الإلهيّة أنّ نعمة الله لا تُقاوَم. فهم يؤمنون أنّ كلّ ما يحدث في الكون هو نتاجٌ حتميٌّ لمشيئة الله الأزليّة، وبناءً عليه، فإنّ نعمته تقتحم الإنسان المختار وتُخلّصه قسرًا بدون اعتبارٍ لإرادته الشّخصيّة. جميلٌ هذا الإيمان لو صحّ الأمر! وأنا أوافق أنّ نعمة الله لا تُقاوَم عند من يستسلم لها. لكنّ واقع الأمر مختلف. فالنّعمة هي هبةٌ إلهيّةٌ وليست جبرًا إلهيًّا. هي “عرضٌ” إلهيٌّ لطيفٌ وليست قوّةً قهريّة.

النّعمة عرضٌ وليست جبرًا

في العهد الجديد، يقول “أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ” (تي 2: 11). لكن من الواضح أن ليس جميعهم تجاوبوا معها وقبلوها. هناك أدلّةٌ عديدةٌ تؤكّد أنّ الإنسان يقدر أن يُقاوِم نعمة الله. هذا ما قاله بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ...” (غل 2: 21). الفعل “أبطل” يعني “تجاهل” أو “وضع جانبًا” أو “رفض” أو “أحبط” أو “ألغى مفعول”. وبالتّالي “إبطال النّعمة” يعني جعلها عديمة الفعاليّة وبلا فائدة. وهذا ما كان سيحصل معهم لو عادوا إلى النّاموس الطّقسيّ ليطلبوا البرّ. هذا ما يظهر جليًّا في تحذير بولس الرّسول للمؤمنين في كورنثوس الّذين أتعبوه بمسلكهم المتفلّت وبفوضويّتهم الرّوحيّة: “نَطْلُبُ أَنْ لاَ تَقْبَلُوا نِعْمَةَ اللهِ بَاطِلاً” (2كو 6: 1).

شواهد كتابيّة على إمكانيّة “إبطال” النّعمة

والعهد الجديد يقول أيضًا إنّ النّاس يستطيعون أن يُقاوموا الرّوح القدس. وبّخ استفانوس اليهود الّذين اضطّهدوه: “يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ.” (أع 7: 51). كلامه يقول أنّ روح الله كان يتعامل مع أقسى النّاس، إلّا أنّهم لم يتجاوبوا معه، بل قاوموه. وهكذا لم ينالوا النّعمة الإلهيّة. حَزِنَ السيّد المسيح على أورشليم الّتي “أراد” خلاصها وأهلها لم يتجاوبوا مع إرادته الصّالحة نحوهم. رثاها يسوع يومئذٍ قائلًا: “يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ… كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا” (متى 23: 37). هكذا نرى بوضوح أنّ المقاومة البشريّة لإرادة الله ممكنةٌ وأنّ نعمة الله لا تجتاح حياة من يُقاومها كما يُروّج البعض. يُحذّرنا الوحي: “مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ.” (عب 12: 15).

الكياسة الإلهيّة: المسيح يقرع ولا يقتحم

أنا أرى في المسيح كياسةً فائقةً في احترام إرادة الإنسان الحرّة. فهو ليدخل حياة إنسان يطلب منه بلطف أن يفتح قلبه إراديًّا بدون أن يقتحمه عنوة. وتبقى كلمات يسوع هي خير برهانٍ للطفه في التّعامل مع النّاس، فهو يقول: “هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.” (رؤ 3: 20). خيرٌ جزيلٌ للإنسان عدم مقاومة نعمة الله.

شاركها.
Exit mobile version