نعيشُ في لبنان هذه الايّام حالةً من الخوف والقلق لم نختبرها بهذا الشَّكل منذ سنوات. فالحرب ليست مجرّد أخبارٍ نسمعها أو صورٍ نراها على الشّاشات، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليوميَّة. صوت الطّائرات، الأخبار المتلاحقة، والحديث المستمرُّ عن احتمالات التَّصعيد، كلُّها أُمورٌ تجعل الإنسان يشعر وكأنّه يعيش في حالة انتظارٍ دائمٍ لشيءٍ قد يحدث في أيِّ لحظة.

هذا الشُّعور لا يقتصر على منطقةٍ بدون أُخرى، بل يمتدُّ الى كلِّ المجتمع. في البيوت، يتحدّث النّاس عن الحرب أكثر ممّا يتحدّثون عن أيِّ شيءٍ آخر. الأهل يفكّرون في سلامة أولادهم، والشّباب يفكّرون في مستقبلٍ يبدو أحيانًا غامضًا، وكثيرون يشعرون أنَّ حياتهم أصبحت معلّقةً بين الخوف والرّجاء. حتّى الامور البسيطة الّتي كانت تبدو عاديّةً في السّابق أصبحت اليوم مرتبطةً بحسابات القلق: السّفر، العمل، وحتّى الخروج من المنزل.

لكن عندما نقرأ الكتاب المقدّس، نكتشف أنّ تجربة الخوف في زمن الحروب ليست أمرًا جديدًا على الإنسان. فكثيرٌ من صفحات الكتاب المقدّس كُتبت في أوقاتٍ صعبة، عندما كان النّاس يعيشون تحت تهديد الحروب والدّمار. ومع ذلك نجد في تلك النّصوص كلماتِ تعزيةٍ عميقة. يقول صاحب المزمور: “اللهُ لنا مَلْجَأٌ وقوَّةٌ، عَوْنًا في الضِّيقَّاتِ وُجِدَ شَديدًا”. هذه الكلمات تعبّر عن حقيقةٍ إنسانيّةٍ عميقة: عندما يشعر الإنسان بضعفه، يبحث عن ملجأٍ يُعطيه الطُّمأنينة.

في مثل هذه الظّروف الصّعبة، يظهر أيضًا الوجه الحقيقيُّ للمجتمع. فمع كلِّ الخوف والقلق، نرى أيضًا مظاهر جميلةً من التّضامن بين النّاس. هناك من يفتح بيته لمن اضطرَّ إلى ترك منزله، ومن يساعد جاره أو صديقه بما يستطيع. هذه الرّوح تذكّرنا بما يدعو إليه الكتاب المقدّس عندما يشجّع النّاس أن يحمِل بعضهم أثقال بعض. ففي أوقات الأزمات، يصبح التّضامن أكثر من مجرّد فكرةٍ جميلةٍ، يصبح ضرورةً تحفظ المجتمع من التفكّك.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنَّ الخوف موجود. حتّى الأشخاص الّذين لديهم إيمانٌ قويٌّ قد يشعرون بالقلق أحيانًا، فالخوف شعورٌ إنسانيٌّ طبيعيٌّ عندما يواجه الإنسان الخطر وعدم اليقين. لكنَّ الإيمان، كما يقدّمه الكتاب المقدّس، لا يعني غياب الخوف تمامًا، بل يعني أنَّ الإنسان لا يسمح للخوف أن يسيطر على قلبه بالكامل.

ربّما يكون ما يحتاجه المجتمع اللُّبنانيُّ اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ آخر هو الحفاظ على هذا الرّجاء. فالحروب، مهما طالت، ليست الحالة الطّبيعيّة للحياة. والشّعوب الّتي تمرُّ بأوقاتٍ صعبةٍ تستطيع أن تستمرّ عندما يبقى بين أفرادها قدرٌ من الثّقة والتّضامن.

قد لا نستطيع أن نغيّر كلّ ما يحدث حولنا، لكن يمكننا أن نختار كيف نعيش هذه المرحلة: أن نتمسّك بالإنسانيّة، وأن نحافظ على المحبّة بيننا، وأن نصلّي من أجل السّلام. ففي نهاية الأمر، حتّى في أحلك الأوقات، يبقى الرّجاء هو القوّة الّتي تساعد الإنسان على الإستمرار.

شاركها.
Exit mobile version