في السّنوات الأخيرة، لعبت وسائل التّواصل الاجتماعيّ دورًا مهمًّا في نشر الوَعي حول أهميّة الصحّة النّفسيّة، فقد شجّعت الكثيرين على التّحدّث عن مشاعرهم وكسر حاجز الخوف من طلب المساعدة، كما ساهمت في تقليل الوصمة المرتبطة بالإضطّرابات النّفسيّة، وهذا بلا شكّ تطوّر إيجابيّ يحتاجه مجتمعنا.
لكن إلى جانب هذا الوَعي، إنتشرت أيضًا معلوماتٌ غير دقيقةٍ أدّت إلى تبسيط المفاهيم النّفسيّة واستخدامها بعيدًا عن معناها العلميّ. فأصبح من السّهل أن نسمع من يصف شخصًا واثقًا بنفسه بأنّه “نرجسيّ“، أو يعتبر أيّ شخص يمرّ بتقلّبات مزاجيّة مصابًا باضطّراب الشخصّية الحدّية أو “الإضطّراب ثنائيّ القطب”. كما أصبح يُقال عن الشّخص المنظّم بأنّه يُعاني من “الوسواس القهريّ”، وعن كلّ من يشعر بالحزن إنّه “مكتئب”.
في الواقع، هذه الإضطّرابات ليست صفاتٍ عابرةً يمكن إطلاقها بسهولة، بل هي حالاتٌ سريريّةٌ لها معايير تشخيصيّةٌ دقيقةٌ تعتمد على طبيعة الأعراض، ومدّتها، وشدّتها، ومدى تأثيرها في حياة الفَرد وعلاقاته اليوميّة. لذلك، لا يمكن تشخيص أيّ إضطّراب نفسيّ من خلال مقطع فيديو قصير، أو إختبارٍ متداولٍ على الإنترنت، أو حتّى من خلال ملاحظة سلوكٍ معيّن.
إنّ التّشخيص الذّاتيّ، أو تشخيص الآخرين بدون معرفةٍ علميّة، قد يؤدّي إلى نشر مفاهيمَ خاطئةٍ، وإثارة القلق لدى أشخاص لا يُعانون من أيّ إضطراب، كما قد يدفع من يحتاجون فعلًا إلى العلاج إلى تأجيل طلب المساعدة أو الإكتفاء بتشخيصات غير دقيقة.
من الطّبيعيّ أن يمرّ الإنسان بفتراتٍ من الحزن أو القلق أو الغضب، أو تقلّب المزاج، فهذه مشاعر إنسانيّةٌ يعيشها الجميع استجابةً لضغوط الحياة ومواقفها المختلفة، لكنّها لا تُعَدّ اضطرابًا نفسيًّا إلّا عندما تستمرّ لفترة زمنيّة، وتصبح شديدةً بما يكفي لتؤثّر على قدرة الشّخص على العمل أو الدّراسة، أو بناء علاقاتٍ صحيّة.
في خضمّ كثرة المعلومات والآراء المتداولة، يدعونا الكتاب المقدّس إلى التّمييز والحكمة قبل إصدار الأحكام. إذ يقول: “إمْتَحِنُوا كُلَّ شَيْء، تَمَسَّكوا بِالحَسَنْ”. وهذه الدعوة لا تقتصر على الأمور الرّوحيّة، بل تمتدّ إلى ما نقرأه ونسمعه عن الصحّة النّفسيّة. فنفحص المعلومات بقعلٍ ناقد، ونرجع إلى أهل الإختصاص، بدل الإكتفاء بما ينتشر على وسائل التّواصل الإجتماعيّ.
إنّ نشر الوَعي بالصحّة النّفسيّة أمر ٌنبيل، لكنّه لا يكتمل إلّا حين يستند إلى المعرفة العلميّة والمسؤوليّة المهنيّة. والمطلوب ليس أن نحفظ أسماء الإضطّرابات، بل أن نفهمها، وأن نُحسن التّمييز بين التّجارب الطّبيعيّة والحالات الّتي تستدعي تدخّلا متخصّصًا. فليس كلّ اختلافٍ إضطرابًا، وليس كلّ ألمٍ نفسيّ تشخيصّا، والدقّة في هذا المجال قد تكون بداية العلاج، كما أنّ الخطأ قد يكون بدايةً لمعاناةٍ جديدة، وتأخير حصول من يحتاج إلى المساعدة على الدّعم المناسب.


