تأمّلَ الجدُّ أحفادَه الجالسين معه في الغرفة بصمتٍ، وكلٌّ منهم مُنشغلٌ بهاتفه الذكيّ. وقد بدَتْ وجوهُهم خلف الشّاشات المضيئة كتماثيلَ من رخام، أفواهُها مفتوحةٌ وشِفاهها معلّقةٌ في فراغٍ من الدّهشة والارتباك. وبفضولٍ متزايد سأل الجدّ: “ماذا تشاهدون يا أحفادي؟ وما الّذي أخافَكم إلى هذا الحدّ؟” أجاب حفيدُه الأصغر ساخرًا: “في أيّ زمنٍ تعيش يا جدّي؟ العالم في فوضى عارمة، تتصاعد الأزمات من كلّ صوب، وتتشابك الأحداث كنسيج العنكبوت الّذي يصعب تتبّع خيوطه، وتقول: ما الّذي يُخيفنا؟!” تألّم الجدُّ لحال أحفاده؛ فبدل أن تفيض أيّامهم بالهناء، وجدهم يغرقون مبكرًا في مآسي هذا العالم.
كيف تلتهم الأخبار سلامنا النّفسيّ؟
قبل خمسين عامًا، كان استهلاك الأخبار محدودًا؛ صحيفة صباحيّة أو برنامج إذاعيّ مسائيّ. أمّا اليوم، فنحن نحمل أزمات العالم بأسره في جيوبنا. كلّ صراع، وكلّ تهديد، وكلّ سيناريو كارثيّ يصل إلى شاشاتنا في ثوانٍ معدودة.
لقد أصبح الخبر للعقل كالسّكّر للجسم؛ تملكنا رغبةٌ قهريّةٌ في التهامه بدون شعورٍ بالشّبع. وفي أوائل التّسعينيّات، رصد علماء النّفس قلقاً ناتجاً عن هذا التتبُّع المفرط، وأسموه “الإجهاد الإعلاميّ”.
اليوم، بلغ هذا الإجهاد ذروته. منصّات التّواصل الاجتماعيّ الّتي لا تكفّ عن قصف أرواحنا بوابلٍ متواصلٍ من الأخبار السيّئة والعاجلة. لقد فقدنا الوقت الكافي للتّأمّل في مضامينها، أو حتّى التّحقّق من صحّتها.
لم يعد ما نشهده اليوم مجرّد تدفُّقٍ عابرٍ للأخبار. لقد تحوّلت هذه الوسيلة من مصدرٍ للمعرفة إلى عبءٍ يرهقنا ويزعزع استقرارنا النّفسيّ.
ومن المؤسف أن نصف الأخبار المفجعة الّتي تصلنا وتقوم على التّخويف. فهي تستند إلى احتمالات وتوقُّعات، وتستمدُّ قوّتها من سيل التّعليقات المليئة بالتّكهّنات والآراء الشّخصيّة. يضاف إلى ذلك خطر الأخبار المفبركة الّتي تنتجها تطبيقات الذّكاء الاصطناعي.
هكذا يجد المشاهد نفسه عالقاً في صراعٍ نفسيّ؛ بين هواجس “ماذا لو” المقلقة، وحسرات “لو أنَّ” المحزنة. إنّ الاستمرار في هذا التتبُّع يرفع مستويات هرمون “الكورتيزول” في الجسم بشكلٍ مخيف. هذا الهرمون يضعنا في حالة تأهُّبٍ دائمة، ممّا يفقدنا القدرة على التّركيز أو الانخراط في مهامنا اليوميّة.
الحاجة للسّلام الدّاخليّ
هذه ليست دعوةً للتّوقّف عن تتبّع الأخبار، فهي حاجةٌ يفرضها وعي الإنسان لمعرفة ما يجري حوله. إنّما هي دعوةٌ لترشيد استهلاكنا وتوجيهه بشكلٍ مسؤول؛ تجنُّباً للانزلاق في مستنقعاتها أو الاختناق بتيّاراتها المتلاطمة. فحين نفسَح المجال للأخبار أن تستولي على عقولنا ليلًا ونهارًا، نُصبح أسرى لرؤيةٍ متشائمةٍ للعالم، يغيب عنها الأمل.
وقد جلسَ السيّد المسيح مع تلاميذه، أولئك الّذين كانوا على مشارف أن يواجهوا الاضطهادَ والسّجونَ وأهوالَ الموت، فطمأنهم قائلًا: “سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.” ونحن اليوم أيضًا مدعوّون إلى أن نقتدي بهم، ونُدرك أنّ الحروبَ قديمةٌ قِدَم التّاريخ، إلّا أنّ أمانةَ الله ثابتةٌ لا تتغيّر. إنّ مصدرَ سلامنا الحقيقيّ لا يكمُن في الحكومات أو التّحالفات العسكريّة ولا في الحسابات المصرفيّة، بل في الله وحدَه، الّذي هو ملاذُنا الأوّل والأخير.


