في أكثر لحظات التّاريخ فرادةً، حيث يُعلَن الملوك عادةً بالبريق وسطوة القوّة، يبرز مشهد “تتويج المسيح” كأعجب تنصيبٍ عرفته البشريّة. ففي دار بيلاطس، وبينما كان الجنود ينسجون مسرحيّةً ساخرةً لإذلال يسوع بعد جلدِه، لم يدركوا أنّهم في الواقع يرسمون أيقونةً لاهوتيّةً تكشف عمق فساد الطّبيعة البشريّة. ألبسوه رداءً أرجوانيًّا، وضفروا له تاجًا من شوك، ووضعوا في يمينه قصبة؛ وبينما أرادوا سحقه بالإذلال، انقلبت سخريّتهم إلى مشهدٍ يبلغ ذروة المجد.

إكليل الشّوك: حين تقلّد الملك لعنة الأرض

وبدلاً من أكاليل الغار ومسحة الطّيب، ضُفِرَ للمسيح إكليلٌ من شوك العوسج؛ لا ليزيّنه بل ليخترق هامته، فيصير الألم تاجه والدّم مسحته. لم يكن ذلك مجرّد تعذيبٍ عابر، بل كان إعلانًا لاهوتيًّا عميقًا: فالشّوك هو ثمرة اللعنة الّتي نبتت بعد السّقوط. وهكذا، حمل المسيح خطايا العالم وآلامه فوق جبينه، وصار “الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا”. لقد قَبِل أن يحمل عارنا، ليهبنا في المقابل “إكليل الحياة”.

الرّداء الأرجوانيّ: ثوب السّخرية الّذي ستر عيبنا

ثم ألقوا على كتفيه رداءً قرمزيًّا خشنًا سخريةً بملكه، فالتصق ذلك الثّوب الصّوفيّ بجراحه المفتوحة. وعندما نزعوه عنه لاحقًا، انتزعوا معه أخاديد الجلد الممزّق، في عملية سلخٍ ثانيةٍ لا يحتملها بشر. أمّا خلف هذا المشهد الأليم، فكان يسوع يرتدي القرمز، لون الخطيّة، ليمنحنا نحن “رداء البرّ” الأبيض، وليتحقّق الوعد: “إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ”. لقد حمل يسوع ثوب عيوبنا ليسترها، ويتّحد بجراحه بضعف بشريّتنا.

القصبة الهشّة: بديل صولجان الغلبة والعدل الآتي

وبدلًا من صولجانٍ الذّهب، وضعوا في يمينه قصبةً جوفاء، يوحون بها بهشاشة سلطانه. هي ذاتها القصبة الّتي ضربوه بها على رأسه، والّتي حملت إليه الخلّ وهو على الصّليب. لقد أرادوا أن يعلنوا أنّه ملكٌ بلا قوّة، لكنّها صارت شاهدًا أنّ القوّة الحقيقيّة لا تكسر “قَصَبَةً مَرْضُوضَةً”. غير أنّ المشهد لن يبقى كما هو؛ فهذا الملك سيعود بسلطانٍ لا يُقهَر، وبعصًا صارمة، كما يصفه سفر الرّؤيا: “وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ.”

“هوذا الإنسان”: الصّرخة التي أعلنت آدم الأخير

وعندما أخرج بيلاطس يسوع أَعلَنَ: “هوذا الإنسان”. كان يهدف  إلى التنمّر السّياسيّ وتقديمه كشخصٍ “مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ”. لكنّه ومن حيث لا يدري، كان يعلن “الإنسان الكامل”. فقد وقف يسوع كـ “آدم الثّاني أو الأخير” الّذي جاء ليُلغي مفاعيل سقطة آدم الأوّل. فبينما جلب آدم الأوّل اللعنة والموت، جاء يسوع بالّنعمة والحياة. إنّها دعوةٌ لنرى فيه المسيح “النّائب عن الجنس البشريّ” الّذي استردّ بآلامه كلّ ما فقدناه.

ما موقفك من المسيح الملك؟

أمام هذا المشهد المهيب، حيث يقف الملك الفادي تحت إعلان “هوذا الإنسان”، يبرز السّؤال المصيريّ: هل تقبل المسيح ملكًا على حياتك؟ لقد حسمت الجموع أمرها قديمًا حين صرخوا في وجه بيلاطس: “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!”، معلنين بوضوح: “لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا”. لم يبالوا بمصيرهم، بل كان كلّ همهم هو التّخلّص منه؛ وكان ذلك خيارهم. أمّا أنت، فما هو خيارك؟ إنّ موقفك من يسوع هو ما يحدّد أبديّتك؛ فمن يعترف به ربًّا ويؤمن به مُخلّصًا، ينَل الخلاص والغلبة، ويؤهّل للجلوس معه في عرشه عند عودته المجيدة.

شاركها.
Exit mobile version