الحرب مبنيّة على العنف والدّماء والقتل والدّمار. فيا لها من رحى غاشمة تدور وتطحن معها الظّالم والـمظلوم. فكيف تُمسي سببًا لإرساء السّلام؟
من هذا القبيل، الحرب قاسية وأنانيّة، تأخذ غنائمها من الطّرفين. حيث لا يمكن الخروج منها من دون خسائر بشريّة وماديّة. كما لن ينجو أحدٌ من رواسب نفسيّة مرضيّة تتراوح ما بين الأزمات الوقتيّة والمزمنة.
أمّا مَن يبادر بإطلاق شرارة الحرب، فليس إلّا مخدوعًا يخدع بلده وشعبه مهما كان له من دوافع. بحيث لا تُرى سوى مشاهد الـموت والعبثيّة في ساحات الـمعارك. كما تحضر خطابات الحقد والانتقام بشدّة. وبالـمقابل يغيب الكلام العاقل.
فيا للهول، كيف شطرت الآلام نفوس مَن خسروا أحبّاءهم! يبقى السّؤال عالقًا من دون ردّ: “ماذا سيعوّض هذه الخسارة الـمفجعة؟”
مِن الثّابت أنّ الطّفولة تُقتَل والـمجاعات تنتشر. عدا عن تيتّم الأطفال وإفراغ البيوت والمدن والقرى من أهلها. وتسمع بغرابةٍ المحلّلين السياسيّين يُطلقون رؤياهم بشأن مصير البلدان وكأنّهم يطبعون رسومًا متحرّكة. فمن أين تأتيهم برودة الدّم والعواطف؟ كيف يستطيعون إطلاق تحاليلهم بدون ذرف أيّ دمعة؟ فإنّهم ينتظرون صدق توقّعاتهم ليعودوا بإطلالة تلفزيونيّة جديدة، كي يفتخروا ببُعد نظرهم. أهكذا يمكن لـمراسلٍ صحافيّ أن يمتلك قلبًا حجريًّا خلال نقل أخبار الـوفيّات من الأطفال من جرّاء الجوع؟ نعم، فقد باتت الـمصائب أرقامًا وأخبارًا كثرثرة الجيران.
أما زال البشر، في عصر التّقدّم والتّطوّر، يَقتلون ويُقتلون؟ بالطّبع، لم تفارق البشريّة حقيقة قايين الّذي خطّط لقتل أخيه هابيل غدرًا. فقد دوّن الكتاب الـمقدّس في سفر التّكوين: “وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ.”
أما كان من الأفضل إيجاد وسائل للتّفاهم بدلًا من تطوير أسلحة القتل؟
للأسف، زاد شرّ الإنسان وتعطّشه لسفك الدّم مثبّتًا نصب عينيه تحقيق الفوز. أيّ فوز؟
فما جاء على لسان رئيس وزراء بريطانيا، في الحرب العالميّة الثّانية، نيفيل شامبرلاين ينفي إمكانيّة تحقيق أيٍّ من سبل النّصر، موضّحًا في قوله: “في الحرب، كلّ طرفٍ قد يُطلق على نفسه لقب المنتصر، لا يوجد رابحون، ولكن الجميع خاسرون.”
وبالتّالي، تعتبر الحرب منصّة القتل والدّمار والتّشرّد والمجاعات والتّخلّف والانحطاط والهمجيّة. فإذا أرادت الشّعوب العيش في عالـمٍ أفضل، فلتحرص على التّفتيش عن طرقٍ لخلق حوار نافع مبنيّ على الأخلاق والمحبّة والاحترام وقبول الآخر لتعزيز روابط الصّداقة والسّلام، وليس لزيادة ترسانة الأسلحة ولحشد صفوف المقاتلين.
ومَن أراد عيشة أفضل عليه النّظر في وسائل تهدف للسّلام والاستقرار، وضبط حدود سيادة كلّ طرف ضمن حدوده مع التزام الإحترام المتبادل، وهكذا ينعم العالم بهدوء مُجدٍ وسلامٍ حقيقيّ.

