ما يؤرق ضمير المؤمنين هو: كيف يمكن لمن يقوم بخدمة الله أن يسقط في وحول الخطايا الجنسيّة وازدواجيّة الحياة الشّخصيّة؟ طبعًا نفهم أنّ البشر خطاة ويخطئون. لكن لا نتفهّم أنّ من يعظ بالعفّة والطّهارة وبالوصيّة المقدّسة “لا تزنِ” يسقط في خطايا الجسد الآثمة!
من يُراجع تاريخ الكنيسة يعرف أنّ “مارتن لوثر” ثار على نظام الرّهبنة والتبتّل الإلزاميّ مُشجّعًا الرّهبان على الزّواج هروبًا من التّحرّق وخطايا الجسد. وهو نفسه تزوّج الرّاهبة السّابقة “كاترين فون بورا” وأنشآ عائلةً، مؤمنًا أنّه بذلك يُتمّم مشيئة الله للإنسان ويُعيد الغريزة إلى إطارها الشّرعيّ الطّبيعيّ.
كان إلغاء الإصلاح الإنجيليّ للرّهبنة خطوةً ثوريّة لها أساسات كتابيّة ولاهوتيّة وراعويّة متينة تهدف إلى حفظ أخلاق الخدّام وشهادةً ناصعةً للمسيح. فمارتن لوثر رفض إجبار رجال الدّين على العزوبيّة بدون دعوةٍ إلهيّة فائقة. فالعزوبيّة القسريّة بنظره سبّبت سقطات سلوكيّة خطيرة متنوّعة كالزّنى واللواط والسّحاق والبيدوفيلية وغيرها من خطايا جرت خلف جدران الأديرة المظلمة. ويطول البحث في الدّلائل التّاريخيّة وفي أدراج المحاكم المعاصرة المليئة بالدّعاوى القضائيّة الرّابحة الّتي ألزمت الكنيسة على دفع مئات ملايين الدّولارات للتّعويض على ضحايا رجال الدّين.
لكن يبقى سؤال بغاية الأهميّة لماذا لم يمنع زواج رجال الدّين سقوطهم بالخطايا الجنسيّة؟ فسقوط قامات دينيّة كبيرة يُثير الدّهشة والحيرة في آن. وتتسارع الأسئلة بدون توقّف في محاولة فهم هذه الظّاهرة المقلقة. ما هو سبب سقوط هؤلاء؟ هل هي ناتجة عن اضطّرابٍ نفسيّ أو علاقاتيّ بينهم وبين زوجاتهم؟ أو أنّ شعورهم بالعظمة وبأنّهم فوق القانون وفوق المساءلة جعلهم يستبيحون المحرمات؟
البعض يُقارب الموضوع من زاوية الفتور الرّوحيّ وقلّة الأمانة للمسيح. وغيرهم ينتقل للبحث في الحالة الأخلاقيّة الّتي يعيشها هؤلاء فتجعلهم يغرقون في المراءاة أو في عيش حياةٍ مزدوجة. الأولى حياة عامّة فيها يظهرون كاملين. والثّانية مخفيّة، فيها يطلقون العنان لأهوائهم وشهواتهم. وهناك من يُقارب الأمر من زاوية نفسيّة واضعًا اللوم على الضّغوط الكثيرة الّتي يعيش هؤلاء تحتها فيُرهقون نفسيًّا ويلجأون لحياة لهوٍ خفية تُخفّف عنهم.
وهناك من يظنّ أنّ هؤلاء هم بالأساس ذئابٌ خاطفةٌ تدخل سلك الخدمة الدّينيّة بثياب حملانٍ ليفترسوا ضحايا ضعيفة. والبعض يراهم ضحايا هجومات أرواحٍ شرّيرةٍ شيطانيّةٍ تهدف إلى الإيقاع بخدّام المسيح بهدف زعزعة الثّقة بكنيسته وإبعاد النّاس عنه. والبعض يعزو تنامي هذه الظّاهرة المؤسفة لتستّر الكنائس في معالجة الجرائم الجنسيّة خوفًا من الفضيحة وذلك حمايةً للسُّمعة المقدّسة وهكذا يزداد عدد المتورّطين بشكلٍ كبيرٍ كما هو حاصل في أيّامنا. وقد يكون أنّ التّهاون في الإجراءات التّأديبيّة الّتي تسمح لهؤلاء المرتكبين العودة بمدى منظور إلى خدمتهم هو ما يجعل كثيرين يتجرّأون على الإستمرار في خطاياهم بالسرّ وبلا توبةٍ وبلا رادع.
ونسأل: أين ضمير هؤلاء؟ وماذا ينتظرهم؟ هل يعرفون أنّ الفضيحة تنتظرهم عاجلاً أم آجلاً؟ وهل يذكرون أنّهم سيقفون ذات يوم أمام الديّان الّذي لا يُحابي بالوجوه وأنّهم سيُعطون حسابًا عمّا فعلوه في الجسد؟ هل يتخيّلون مقدار عقاب الله عليهم إذ استهانوا بقداسة كنيسته وببراءة النّاس وهم المطالبون بحفظ قداستهم أكثر من غيرهم؟ هل يذكر هؤلاء أبناء عالي الكاهن الّذين كانوا يزنون مع النّساء في الهيكل وما كان مصيرهم؟ يجب على جميع المؤمنين بالمسيح وسائر خدّام الكنائس أن يحفظوا قداستهم ويتحذّروا من السّقوط بالخطايا الجنسيّة الّتي تستهدفهم، إذ “مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ.”

