في بلادنا الموزَّعة طائفيًّا، كثيرًا ما نسمع أحدهم يقول: “أنا مسيحيّ”. تبدو هذه عبارةً عاديّةً يعرّف بها الإنسان عن نفسه، وكأنّ الانتماء المذهبيّ جزءٌ أساسيٌّ من هويّته، كالاسم أو العائلة أو البلدة. لكن لهذه العبارة دلالاتٌ أعمق من ذلك بكثير. فالمسيحيّة ليست لقبًا نرثه، ولا هويّةً اجتماعيّةً نكتفي بحملها، بل هي دعوةٌ إلى حياةٍ مرتبطةٍ بالمسيح.
في سفر أعمال الرّسل نقرأ أنّ التّلاميذ دُعوا مسيحيّين أوّلًا في أنطاكية. واللافت أنّهم لم يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم، بل أطلقه النّاس عليهم. وكأنّ الّذين رأوا حياتهم لمسوا فيهم شيئًا من يسوع: إيمانًا به، ومحبّةً على مثاله، وارتباطًا واضحًا بشخصه. لذلك قالوا عنهم: هؤلاء مسيحيّون.
من هنا يبدأ السّؤال الحقيقيّ: هل يكفي أن أقول عن نفسي إنّني مسيحيّ، أم ينبغي أن يظهر المسيح في حياتي وفي طريقة عيشي؟ فالمسيحيّ لا يُعرف فقط من كلامه عن إيمانه، بل من أثر هذا الإيمان في قلبه وسلوكه. يُعرف من محبّته عندما يسهل عليه أن يكره، ومن غفرانه عندما يكون الانتقام ممكنًا، ومن تواضعه عندما تدفعه الظّروف إلى الكبرياء، ومن رحمته حين يرى ضعف النّاس وسقطاتهم.
أن أكون مسيحيًّا لا يعني أنّني كامل أو بلا خطأ، بل يعني أنّني أنتمي إلى المسيح وأسمح له أن يغيّرني يومًا بعد يوم. فعندما أقسو، أطلب منه قلبًا ألين. وعندما أنشغل بنفسي، يذكّرني بمحبّة الآخرين. وعندما أسقط، أعود إليه بثقة، لا لأنّني قويّ، بل لأنّ نعمته ترفعني.
لقد كانت شهادة المؤمنين في أنطاكية قويّة، لأنّ إيمانهم لم يبقَ فكرةً في الذّهن، بل صار حياةً تُرى. وهذا ما نحتاج إليه اليوم أيضًا: ألّا يبقى اسم المسيح على ألسنتنا فقط، بل أن ينعكس في بيوتنا، وأعمالنا، وكلامنا، وعلاقاتنا اليوميّة.
لذلك، حين أقول: “أنا مسيحيّ”، فأنا لا أعلن اسمًا فحسب، بل انتماءً ومسؤوليّة. فليت حياتي تشهد، بصمتٍ وصدق، أنّني لا أحمل اسم المسيح فقط، بل أسعى، بنعمته، إلى أن أزداد شبهًا به.


