شهدت قلعة “زرزفان” الأثريّة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا، والّتي اكتُشِف فيها عام 2017 معبد “ميثراوي” فريد، شاهدًا جديدًا على التّحوّل الدّينيّ الّذي غيّر وجه الإمبراطوريّة الرّومانيّة. فقد عُثر مؤخّرًا على نقشٍ آراميّ يعود إلى نحو 1700 عام يحمل رمز الصّليب، ويبدو أنّه استخدم ختمًا رسميًّا لإعلان إغلاق المعبد وإنهاء عبادته السّريّة. وهكذا، تراجعت واحدةٌ من أبرز الدّيانات الباطنيّة الّتي ازدهرت في القرنين الثّاني والثّالث الميلاديّين أمام انتشار المسيحيّة، حتّى انطفأت تمامًا.

من أسرار الظّلمة إلى علانيّة النّور

قامت “الميثراويّة” على عبادة الإله الفارسيّ “ميثرا”، واعتمدت نظامًا مغلقًا يقوم على سبع درجات من التّلقين السرّيّ. وكان أتباعها، ومعظمهم من الجنود وكبار المسؤولين، يجتمعون في معابد تحت الأرض تُعرف بـ”الميثريوم”، بينما اقتصرت عضويّتها على الرّجال وحدهم.

أمّا المسيحيّة، فجاءت برسالةٍ مختلفةٍ تمامًا. لم تُبنَ على الأسرار، بل على الإعلان. ولم تُوجَّه إلى نخبة، بل إلى جميع البشر. وبينما أقامت “الميثراويّة” حواجز بين النّاس، أعلن الإنجيل أنّ الله يدعو الجميع إلى الخلاص، رجالًا ونساءً، عبيدًا وأحرارًا، بدون تمييز. لذلك خرجت الكنيسة إلى العلن، وبُنيت كنائسها فوق الأرض، وصارت جماعة إيمانٍ تخدم المجتمع بدل أن تنعزل عنه.

التّاريخ يعيد أنماطه… لكنّ النّور ينتصر

ويكشف الواقع المعاصر أنّ التّاريخ يعيد بعض أنماطه. فما زالت تظهر تنظيماتٌ ومحافلُ مغلقةٌ تستنسخ كثيرًا من ملامح الميثراويّة القديمة: عضويّةٌ حصريّةٌ، ودرجاتٌ متتابعةٌ، وتلقينٌ تدريجيٌّ، وأقسامٌ صارمةٌ، ورموزٌ لا تُكشف إلّا للقلّة. لكنّ الإنسان لا يرتوي من أنظمةٍ تقوم على التّعالي والإقصاء، ولا تصمد العتمة طويلًا أمام نور الحقّ.

ولهذا تبقى كلمات الربّ يسوع حيّةً في كلّ عصر: “وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ… وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ”. (يوحنا 3: 19-21).

لقد سقط معبد “زرزفان”، لكنّ الرّسالة الّتي يحملها سقوطه ما تزال حيّة. فالمسيح لم يختبئ خلف طلاسم الأسرار، بل أعلن نفسه نور العالم، يدعو كلّ إنسانٍ إلى الخروج من ظلمة العزلة والإقصاء إلى رحابة الحقّ والمحبّة والحياة.

Author

شاركها.
Exit mobile version