إنّ المخيّمات والمؤتمرات الروحيّة الّتي تُقيمها الكنائس هي امتدادٌ لممارسةٍ ضاربةٍ في عمق التّاريخ المقدّس. فمنذ العهد القديم، دعا الله شعبه إلى “محافل مقدّسة” وأعيادٍ سنويّة، كأعياد الفصح والأسابيع والمظال، يقتطع فيها المؤمنون وقتًا للابتعاد عن ضجيج الحياة وأعبائها، طلبًا للعبادة، والتّأمّل في كلمته، والتّجديد الرّوحيّ والرّاحة الجسديّة.

وفي الإنجيل المقدّس، تُقدّم العائلة المقدّسة النّموذج الأبرز في المواظبة على هذه العادة الرّوحيّة؛ إذ كان يوسف ومريم يصعدان سنويًّا إلى أورشليم في العيد. وفي إحدى تلك الزّيارات، اختار يسوع الفتى، وكان ابن اثنتي عشرة سنة، البقاء في الهيكل محاورًا المعلّمين وشغوفًا بالتعلّم، حيث لاحظت أمّه مريم نموّه اللافت في النّعمة والحكمة.

وعلى هذا النهج، واظبت الكنيسة الأولى على التّعليم الرّسوليّ، والشّركة الأخويّة، والعبادة المشتركة. وابتدأت مبكّرًا بإقامة تجمّعات ومجامع، كمجمع أورشليم المبكّر، لحل المسائل الخلافيّة وللشّركة الرّوحيّة، ولأخذ تقارير العمل الإرساليّ كما حدث في كنيسة أنطاكية، والإصغاء لصوت الرّوح القدس وتفسير الكلمة. وقد أتاحت هذه اللقاءات لقادة الكنيسة وشعبها فرصة للتّلاقي والعمل المشترك وتثبيت الإيمان.

وعلى مدى العقود الأربعة الماضية في كنيسة لبنان الإنجيليّة، شكّلت المؤتمرات السّنويّة والمخيّمات المتنوّعة علامةً فارقةً في مسارها الرّوحيّ، وتركت أثرًا عميقًا في حياة العائلات والشّبيبة والأطفال. ففي هذه التّجمّعات، اختبر الكثيرون العودة للربّ والتّجديد الرّوحيّ، وتكرّس آخرون للخدمة الكنسيّة والعمل الإنسانيّ، وبُنِيَت علاقاتٌ اجتماعيّةٌ وعائليّةٌ مسيحيّةٌ متينة.

إنّ المشاركة في هذه المؤتمرات هي انسحابٌ قصير من ضغوط الحياة اليوميّة للتّمتُّع بالحضرة الإلهيّة، والعودة بعدها لمواجهة التّحدّيات بقوّةٍ روحيّةٍ وفكريّةٍ متجدّدة. وفي جوهرها، تُمثّل هذه التّجمّعات صورةً مصغّرةً للمدينة السّماويّة، حيث سيجتمع القدّيسون مستقبلاً حول المسيح في شركةٍ أبديّةٍ لا تنتهي.

Author

شاركها.
Exit mobile version