في هذه الأيّام الصّعبة الّتي يمرّ بها لبناننا الحبيب حيث تتراكم الأزمات الاقتصاديّة والمعيشيّة، ويسود التّوتّر حدودنا الجنوبيّة، وما زالت ذكرى انفجار المرفأ جرحًا مفتوحًا في الذّاكرة، وجدتني أفكّر كثيرًا في حال النّاس من حولي: إرهاقٌ يوميّ، شبّانٌ يفكّرون بالهجرة، عائلاتٌ تتعب لتؤمّن لقمة العيش، وقلوبٌ باتت تميل أحيانًا إلى اليأس أكثر من الرّجاء.
وفي خضمّ هذا كلّه، تذكّرت قصّة الشّموع الأربع المعروفة، فوجدت فيها مرآةً صادقةً لما نعيشه: سلامٌ مهدَّد، وإيمانٌ يترنّح أمام الانهيار، ومحبّةٌ تتراجع أمام الانقسام. لكنّني أردت أن أستعيدها هنا لأنّها تحمل أيضًا الجزء الأهمّ: أنّ الرّجاء يبقى قادرًا على إعادة إشعال كلّ ما سواه، وأنّ هذا بالتّحديد هو ما يحتاجه لبنان اليوم.
حين ينطفئ السّلام والإيمان والمحبّة
القصّة تروي أنّه في غرفةٍ هادئة، كانت هناك أربعُ شموع مضاءةٌ تحترق ببطء، حتّى سُمع حديثها. قالت الأولى: “أنا السّلام، لكنّ النّاس لا يريدونني، يفضّلون الحرب. لم يعد لي ما أفعله سوى أن أنطفئ.” وشيئًا فشيئًا خفت نورها حتّى غابت.
قالت الثّانية: “أنا الإيمان، لكنّ النّاس لا يأبهون بي، يفضّلون الأوهام.” وما إن أتمّت كلامها حتّى هبّت نسمةٌ خفيفةٌ فأطفأتها.
وقالت الثّالثة بحزن: “أنا المحبّة، لم تعد لي قوّةٌ لأبقى مضاءة. كثيرًا ما يختار النّاس الكراهية بدلاً منّي.” وانطفأت هي أيضًا.
عندئذٍ دخل طفلٌ صغيرٌ إلى الغرفة، فرأى الظّلام يخيّم، فصرخ باكيًا: “ماذا تفعلن؟! يجب أن تبقيْنَ مضاءات، أنا أخاف من الظّلام!” ثمّ تكلّمت الشّمعة الرّابعة بهدوء: “لا تخف، ولا تبكِ. ما دمتُ أنا مضاءة، يمكننا أن نعيد إشعال الثّلاث الأخريات في أيّ وقت. أنا الرّجاء.” فأخذ الطّفل، بعينين مليئتين بالدّموع، شمعة الرّجاء… وأعاد بها إشعال السّلام والإيمان والمحبّة، واحدةً تلو الأخرى.
حين يبقى الرّجاء خيارنا الوحيد
وهذه القصّة المعروفة تشبه لبناننا كثيرًا فقد رأينا السّلام يتزعزع بفعل الحروب المحيطة، والإيمان يهتزّ أمام الانهيار والخيبات، والمحبّة تتراجع أمام الانقسام والتّعب اليوميّ. ورأينا الظّلام يجتاح المرفأ، والبيوت، والقلوب. لكن، كما في القصّة، يبقى في لبنان دومًا من يحمل شمعة الرّجاء… أمّهاتٌ لا يتوقفْن عن العطاء، شبّانٌ يعيدون البناء، كنائسُ ومجتمعاتٌ تصرّ على أن يبقى النّور.
عاش النّبيّ إرميا ظروفًا صعبةً للغاية تحت حصارٍ عسكريّ ومجاعةٍ قاسيةٍ وتفشّي الأمراض بين الشّعب، ومع هذا لم يفقد رجاءه بإلهه، فقال: “أُرَدِّدُ هذَا فِي قَلْبِي، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَرْجُو: إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ.”
فلتبقَ شمعة الرّجاء في قلوبنا مضاءةً دائمًا… حتّى نستطيع، مثل ذلك الطّفل، أن نعيد إشعال السّلام والإيمان والمحبّة من حولنا.


