منذ طفولتنا، نتعلّم من أهلنا أن نكون أناسًا صالحين وأن نفعل الخير للآخرين. لكن ماذا يعني فعل الخير حقًا؟ وهل تكفي النيّة الطيّبة، أم أنّ الخير يحتاج أيضًا إلى حكمةٍ واستعدادٍ لتحمّل كلفته ونتائجه؟

لنتأمّل في قصّة ثلاثة إخوةٍ في منتصف العمر. احتاج الأخ الأوسط إلى زراعة كلية، فبادر الأخ الأكبر إلى تعديل وصيّته، معلنًا أنه سيتبرّع بإحدى كليتيه إذا توفّي قبل أن يحصل أخوه على كلية من خلال قائمة الانتظار. أثار موقفه إعجاب الجميع، إلى أن علموا أنّ الأخ الأصغر كان مستعدًّا للتبرّع بكليته فورًا، إذا سمحت حالته الصّحّية.

كان موقف الأخ الأصغر أكثر إقدامًا. فهو لم يكتفِ بالاستعداد للمساعدة، بل كان مستعدًّا لتقديم تضحيةٍ شخصيّةٍ من أجل أخيه. وبالفعل، ساهم تبرّعه في إطالة حياة أخيه. لكن بعد عام، تدهورت صحّته، واضطرّ إلى التوقّف عن العمل وعن إعالة أسرته.

لا شكّ أنّ ما فعله كان شجاعًا ونابعًا من محبّةٍ حقيقيّة. لكنّ القصّة تذكّرنا بأنّ فعل الخير ليس دائمًا قرارًا بسيطًا، وأنّ النّوايا الحسنة قد تكون لها كلفةٌ كبيرة. لذلك، عندما نواجه موقفًا يحتاج إلى قرار، علينا أن نسأل: ما الخير الّذي يمكنني أن أفعله؟ وهل أنا مستعدٌّ لتحمّل كلفته؟

ماذا يعني “الخير”؟

الخير كلمةٌ حاضرةٌ في حياتنا اليوميّة. نقول “صباح الخير” و”مساء الخير”، وعندما يسألنا أحد عن أحوالنا نجيب غالبًا: “بخير.”

وفي الإيمان المسيحيّ، الخير ليس مجرّد قيمةٍ إنسانيّة، بل يرتبط بالله نفسه. فنحن نعلن أنّ الله صالح، وأنّه المصدر الأسمى لكلّ خير. ونصلّي طالبين منه أفكارًا صالحة، وقلوبًا نقيّة، وأعمالًا ترضيه.

والخير أيضًا ثمرةٌ من ثمار عمل الرّوح القدس في حياة المؤمن. ومع أنّنا نتّفق على أهمّيته، فإنّنا قد نتردّد في فعله عندما يتطلّب تضحية، أو عندما لا نحصل في المقابل على تقدير أو مكافأة.

كيف نقرّر أن نفعل الخير؟

فعل الخير يحتاج إلى أكثر من مشاعر طيّبة. علينا أن نفكّر في الخيارات المتاحة، وفي نتائجها، وأن نفحص دوافعنا: هل يحرّكنا التّعاطف والمحبّة، أم الرّغبة في التّقدير أو المنفعة أو المديح؟

لذلك، علينا أن نصلّي طالبين حكمة الله، وأن نتشجّع على فعل الخير، عالمين أنّنا حين نصنع الخير للآخرين، ولا سيّما للمحتاجين، فإنّنا نخدم الله ونردّ له شيئًا من الخير الّذي أغدقه علينا. فلا يوجد عملُ خيرٍ صغيرٌ في عينيه؛ حتّى كأس ماء نقدّمه لمحتاج باسمه لا يضيع عند الله، بل له أجره. وهكذا نتشبّه بإلهنا الصّالح، الّذي منه يأتي كلّ خير، ونترك أثرًا صالحًا في حياة من حولنا، وهو لا ينسى ما نصنعه، بل يكافئنا في حينه. وكما تقول كلمة الله: “وَلكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هذِهِ يُسَرُّ اللهُ.”

Author

شاركها.
Exit mobile version