يبحث الجميع عن السّعادة، ويتجنّبون الحزن بكلّ أشكاله. لكنّ يسوع يفاجئنا في الموعظة على الجبل بقوله: “طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ”. (متى 5: 4). فهل يمجّد المسيح الحزن؟

الجواب هو: لا. فالمسيح لا يطوّب الكآبة ولا اليأس، بل يتحدّث عن حزنٍ من نوعٍ آخر. حزنٌ يبدأ عندما يكتشف الإنسان حقيقته أمام الله. لذلك تأتي هذه التّطويبة مباشرةً بعد قوله: “طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ”. فمن يدرك فقره الرّوحيّ لا يبقى عند حدود المعرفة، بل ينكسر قلبه، فيقوده هذا الانكسار إلى التّوبة، ثمّ إلى التّعزية.

هذا هو الحزن الّذي وصفه الرّسول بولس بأنّه “الحزن بحسب مشيئة الله” الّذي ينشئ توبةً لخلاص، بخلاف حزن العالم الّذي يقود إلى اليأس. إنّه الحزن الّذي نراه في داود عندما اعترف بخطيّته، وفي بطرس عندما عاد إلى المسيح بعد سقوطه. إنّه حزنٌ لا يهرب من الله، بل يركض إليه.

عندما نحزن كما يحزن الله

لكنّ الحزن الّذي يقصده يسوع لا يقتصر على خطايانا الشّخصيّة فقط، بل يمتدّ إلى عالمنا المكسور. فكلّما اقترب الإنسان من قلب الله، ازداد ألمه على الظّلم والفساد وابتعاد النّاس عن خالقهم.

ولهذا نقرأ في سفر حزقيال أنّ الله، قبل أن تقع الدّينونة على أورشليم، أمر الملاك أن يجول في المدينة ويضع علامةً على جباه الرّجال الّذين كانوا “يَئِنُّونَ وَيَتَنَهَّدُونَ عَلَى كُلِّ الرَّجَاسَاتِ الْمَصْنُوعَةِ فِي وَسَطِهَا” (حزقيال 9: 4). لم يكونوا أفضل من غيرهم لأّنهم بلا خطيّة، بل لأنّ قلوبهم لم تتبلّد أمام الشرّ. كانوا يتألمون لأنّ اسم الله يُهان، ولأنّ الخطيّة تُفسد حياة النّاس، ولم يتصالحوا مع الفساد أو يعتادوه. لذلك جعل الربّ العلامة على جباههم إشارةً إلى أنّهم له، وأوصى بألّا يمسّهم القضاء الّذي سيحلّ بالمدينة.

لقد ميّز الله بين من عاش في الخطيئة بلا اكتراث، ومن كان يحزن بسببها ويتوق إلى البرّ. فليس الحزين المطوَّب هو من أثقلته ظروف الحياة فحسب، بل من يتألّم لأنّ الخطيّة تُفسد علاقته بالله والعالم من حوله. وهذا هو القلب الّذي يطوّبه يسوع: قلب لا يتلذّذ بالشرّ ولا يتعايش معه، بل يحزن عليه أمام الله، واثقًا بأنّ الربّ لن يترك دموع التّوبة والغيرة المقدّسة بلا تعزية.

التّعزية الّتي يهبها الله

ومع أنّ المقصود الأوّل في هذه التّطويبة هو الحزن الرّوحيّ، إلّا أنّ المسيح لا يبقى بعيدًا عن أحزاننا الإنسانيّة أيضًا. فقد بكى عند قبر لعازر، وبكى على أورشليم المتمرّدة، ووُصف بأنّه “رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ”. إنّه الإله الّذي لا يفسّر الألم من بعيد، بل يدخل إليه ويشارك الإنسان وجعه.

لهذا يأتي الوعد: “لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ.” فالتّعزية الّتي يمنحها المسيح ليست مجرّد كلمات تشجيع، بل حضور الله نفسه، “أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ” إلى جانب الإنسان ليُعزّيه في جميع ضيقاته. تبدأ التّعزية اليوم بغفران الخطايا وسلام القلب، وتكتمل يوم يمسح الله كلّ دمعةٍ من عيون أولاده.

في عالمٍ يحاول إسكات الألم بأيّ وسيلة، يدعونا يسوع إلى طريق مختلف: لا إلى الهروب من الدّموع، بل إلى حملها إليه. فالحزن الّذي يقود إلى الله لا ينتهي بالانكسار، بل يبدأ منه طريق التّعزية والرّجاء.

Author

شاركها.
Exit mobile version