التّنظيم القضائيّ عبر التّاريخ جاء نتيجة تطوّر مفهوم القانون والعدالة الّذي عرفته المجتمعات البشريّة القديمة والمستمرّ في الحاضر أحيانًا كثيرة. فبعدما كان العرف هو مصدر القانون، ظهرت، في وقتٍ لاحقٍ، التّشريعات المكتوبة والّتي اعتبرت أكثر إنصافًا وحمت الطّبقات الشعبيّة من تعسّف الحكّام وانحيازهم لمصلحة الأغنياء.
في عصر الفراعنة
كان المصريّون القدماء أوّل مَن فصل القضاء المدنيّ عن القضاء الجزائيّ إعتبارًا من القرن الثّالث عشر قبل المسيح، وكانت المحاكم الجزائيّة على نوعين: عاديّة للنّظر في غالبيّة الجرائم، وإستثنائية للنّظر في الجرائم الماسّة بأمن الدّولة.
في بلاد ما بين النّهرين
كان لتشريع حمورابي المدوّن المصدر الرئيسي للقانون في العهود اللاحقة، حتّى إنّه تعدّى بلاد ما بين النّهرين إلى بلدان أخرى حتّى ظهور القانون الرومانيّ. وفي قانون حمورابي ظهرت الملامح الأولى إلى درجات المحاكمة والى الأصول الواجب اتّباعها لدى المحاكم.
العبرانيّون في العهد القديم
التفّ العبرانيّون حول رؤساء أسباط بني اسرائيل الّذين عرفوا بالقضاة واقتصر نفوذهم على الشّؤون العسكريّة والسّياسيّة والدينيّة، إلّا أنّ المؤسّسة القضائيّة تطوّرت في ظلّ الملكيّة.
وعرف العبرانيّون، في أياّم موسى، ما يسمّى بالاختصاص النّوعيّ للمحاكم الّذي يعيّن صنف المحكمة ودرجتها الّتي تنظر الدّعوى. هذا كان بناءً على نصيحة يثرون الكاهن وحمو موسى الّذي أوصاه أن يختار أشخاصًا ذوي خبرة، يخافون الله، أمناء، يبغضون الرشوة ويُقيمهم على الشّعب قضاة. هؤلاء يقضون للشّعب في الدّعاوى الصّغيرة، أمّا في الدّعاوى الكبيرة أو العسرة فكانوا يأتون بها إلى موسى (سفر الخروج ١٨: ١٣-٢٦). أمّا القضاة العبرانيّيون فاستندوا على شريعةٍ قضائيّةٍ مكتوبةٍ سنَّها لهم موسى. والّتي حثّت القضاة على مراعاة العدل والحقّ في الأحكام، “وأمرت قضاتكم في ذلك الوقت قائلاً: اسمعوا بين اخوتكم واقضوا بالحقّ بين الإنسان وأخيه ونزيله”. (التثنية ١٦:١).
تطوّر المؤسّسة القضائية عند بني إسرائيل
مع الأيام تطوّر النّظام القضائيّ لدى شعب العهد القديم. وكان الملك هو القاضي الأوّل. وكان يُسمح لأيّ شخص من دون تمييز أن يرفع شكواه إليه حيث كانوا يأتون إلى داود. وكان على الملك أو القاضي من شيوخ المدن أن يستشير الكاهن العظيم قبل إصدار حكمه.
وفي وقتٍ لاحق أُنشئ مجمع السنهدريم وهو المجلس اليهوديّ الأعلى وفي الوقت نفسه المحكمة اليهوديّة العليا برئاسة رئيس الكهنة ومركزه في أورشليم، وكان يمثّل الشّعب اليهوديّ أمام الحاكم الرومانيّ إضافة إلى القيام بأعمال السّلطة القضائيّة وإصدار الأحكام وتنفيذها باستثناء حكم الإعدام الّذي كان يجب التّصديق عليه من السّلطة الرومانيّة.
التطوّر القضائيّ في العصر اليونانيّ
شكّلت هذه التطوّرات والمعالم الرئيسة المذكورة في الكتاب المقدّس أساسًا لما سار عليه القضاء في العصرين اليونانيّ والرومانيّ مع تطوّرٍ إضافيّ بحكم التّاريخ والسّياسات والحاجات ومفاهيم الديمقراطيّة وصولاً إلى عالمنا المعاصر، سواء على مصادر التّشريع والتّنظيم القضائيّ واستقلاله ومفهوم العدالة والصّفات الّتي يجب أن يتحلّى بها القاضي.
ولا يسعنا في هذا المجال سوى الإشارة إلى أهميّة مدينة بيروت في الحقبة الرومانيّة الّتي أطلق عليها الإمبراطور جوستينيان لقب “أمّ الشّرائع ومرضعتها” بفضل مدرسة الحقوق التي أنشئت فيها، فحوّلتها إلى واحدة من العواصم القانونيّة الفريدة في العالم الرومانيّ. أمّا إنجاز الأمبراطور جوستينيان الأهمّ فهو وضعه لمجموعته الشّاملة للقانون الرومانيّ والّتي تعتبر أوسع مجموعة عرفها العالم منذ القرن الرابع الميلاديّ حتّى هذه الأيّام. عُرِفت هذه المجموعة باسم “مجموعة القوانين المدنيّة” أو باللاتينيّة Corpus Juris Civilis الّتي شكّلت مبادئها العامّة أساسًا لتشريعات العديد من الدّول المعاصرة إبتداءً من القرن التّاسع عشر. وكان لأساتذة مدرسة بيروت مساهمة فعّالة في مؤازرة جوستينيان في إصدار مجموعاته القانونيّة الشّهيرة.
ختاماً نقول، إنّه لو افترضنا عدم وجود القضاء وبالتّالي غياب العدل، فسيتحكّم الناس بعضهم ببعض وستسود المجتمعات حالة من عدم الأمان والاطمئنان وإنعدام الحقوق، لكن بوجود القضاء العادل، النّزيه والمستقلّ، هناك حماية وضمانة لكي ينال كلّ ذي حقّ حقّه في إطار دولة القانون والانتظام العامّ.

