عندما نأتي إلى ذكر الخيانة ترتسم للحال في أذهاننا مسألة خيانة يهوذا الإسخريوطيّ للسيّد المسيح لقاء ثلاثين فضيّة! الخيانة هي العامل الأبرز والأكثر إيلامًا في وعينا الدّينيّ.
وفي حقيقة الأمر،كلّ الخيانات، بدون استثناء، مؤلمةٌ و إسخريوطيّة الوقع ولا ريب في ذلك.
الخيانة بحدّ ذاتها لا تحتمل تحليلًا كثيرًا أو تفكيرًا: لا في الكيفيّة ولا في المقدار أو حتّى في القياس. فالّذي يخون يزرع الخراب والويلات، وخاصّةً عندما تكون خيانة الوطن! ونرى الخيانة في تاريخ الشّعوب عندما يسلّم الخائن مفاتيح مدينة محصّنة عصت على جيوشٍ جرّارة، فتسقط جرّاء عمله الشّائن هذا كورقةٍ يابسةٍ تهوي من شجرة.
قديمًا قالت العرب: “الوفاء من شِيَم الكرام والغدر من هِمم اللئام”.
الخيانة تعتبر معضلةٌ كبيرةٌ بحدّ ذاتها إذ يعجز عُتاة علماء النّفس في تحديد أسبابها. منهم من يقول أنّ الخيانة عيبٌ وراثيٌّ وشطط في الأخلاق. ومنهم من يعزوها إلى الضّعف في الشّخصيّة. ومنهم من يعتبرها واحدةً من مركّبات النّقص الحادّة الموجودة في السّلوك البشريّ. لا يهمّنا هنا أن ندرس جذور الخيانة بقدر ما يهمّنا تداعياتها ومفاعيلها وتأثيرها حتّى تغدو عملًا قاتلًا يضاهي بقوّته القنبلة الذريّة.
أمّا بالنّسبة إليّ فلا غروَ إذا قلت أنّ الخيانة هي صفة مركّبة من عناصر شيطانيّة أهمّها: “الطّبع الجرميّ، الأنانيّة، الحسد، الكذب النّذالة والخسّة”. هذه كلّها عناصر تتحرّك في أروقة الفساد المظلمة داخل نفس الخائن البشريّة. الخيانة، ولباسها السّواد، هي أداة قاتلٍ صامتٍ خسيسٍ ونهجه المعقّد في مواجهة إنسانٍ نبيلٍ وصاحب أخلاقٍ رفيعةٍ ومتسامح وطيّب يبذل ذاته من أجل أحبّائه. لا تروق هذه السّلوكيّات السّامية للخسيس فيخون كالأسخريوطيّ ولو لأبخس الأثمان غير سائلٍ عن كرامةٍ وطنيّةٍ أو علاقاتٍ إنسانيّةٍ أو صيتٍ حسنٍ!
قال اينشتاين أنّ هناك قوى كبرى تحكم العالم وهي: الغباء والخوف والجشع وقد أفرزت هذه النّقائص صفة الخائن الّذي يترك وراءه خسارةً كبيرةً في النّفس البشريّة وهي اغتيال الثّقة بين النّاس وغرس الشّكوك بين أفراد المجتمع وارتفاع نسبة القلق والحقد لدرجة أنّ الكاتب الكبير مارك توين قال ذات يوم: “إذا أطعمتَ كلبًا جائعًا تضمن أنّه لن يعضّك أبدًا وهذا هو الفرق الأهمّ بين الكلب والإنسان”.
أجل، إنّها صورةٌ قاتمةٌ جعلت كاتبًا كبيرًا ومفكّرًا عظيمًا يعتبر أنّ الإنسان الخائن أحطُّ منزلةٍ من الكلب الّذي إذا أطعمتَه لقمةً صغيرةً ضمنْتَ وفاءه إلى الأبد، بينما الإنسان اذا فرشت له الموائد العارمة بما لذّ وطاب وأكرمته خير إكرامٍ ينكر فضلك ويخونك شرّ خيانة! هي حقيقةٌ مؤلمةٌ أجل ولكن هذا هو واقع الإنسان الخائن الّذي يغدر في ساعةٍ “سمّاعة ” كما كان يقول القدماء وما علينا سوى الحذر.
أمّا مصير الخائن فليس دائمًا كما يتوقّع. هو دائمًا خاسر. عقابه قاسٍ. قال المسيح عن الخائن: “وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!”

