المحبّه تُسامح، لكنّها لا تُفرِّط في قدسيّة الحياة. فبينما الغضب المقدّس ضدّ الخطيّة فضيلة مسيحيّة، يظلّ العنف العدوانيّ الموجّه ضدّ النّاس شرًّا مُطلقًا لا يقبل التّأويل.

تخيّل معي أنّك تسير في زقاقٍ مظلم، وفجأة، يبرز أمامك من يهدّد حياتك أو حياة طفلك الّذي يمسك بيدك. في تلك اللحظة، يتبادر إلى ذهنك تساؤلٌ عميق: هل إيماني يفرض عليّ الاستسلام التّامّ أم يمنحني الحقّ في الدّفاع عن النّفس؟ هذه ليست مجرّد فرضيّة، بل هي جوهر الجدل حول مفهوم الدّفاع عن النّفس في الإيمان المسيحيّ.

​البعض يرى في كلمات المسيح عن “تحويل الخدّ الآخر” دعوةً للخنوع المطلق، لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الرّبّ يسوع لم يطلب منّا أن نكون ضحايا صامتين، بل أرادنا أن نترفّع عن الانتقام الشّخصيّ ونضع “قواعد اشتباك” تقوم على تفادي الشرّ، والمسامحة عند المقدرة، وعدم اللجوء الى العنف. فهناك فرقٌ كبير بين أن تسامح من أهان كرامتك، وبين أن تترك مجرمًا يفتك بروحك أو بعائلتك.

​إنّ الحكمة الإلهيّة، لا تلغي الحقّ الطّبيعيّ في الحياة. فالمسيحيّ المسؤول هو من يزود عن بيته وأحبّائه، لأنّ الإهمال في حمايتهم يُعدّ تقصيرًا في الواجب الأخلاقيّ والإيمانيّ على حدٍّ سواء. الدّفاع عن النّفس هنا لا يعني “الثّأر”، بل هو فعل صيانةٍ للمقدّس، تلك الحياة الّتي إئتمننا الله عليها. وكأنّ الرّبّ يهمس في أذنك: “كن إنسانًا روحيًّا مُسالمًا، ولكن لا تكن أعزل في وجه الشرّ الّذي قد يفترس الأبرياء”.

إنّ دمج مفهوم سلامة النّفس بسلامة المجتمع يكشف لنا أنّ الدّفاع عن الوطن، كالدّفاع عن الذّات، يرتكز على قانونٍ طبيعيّ مقدّس. فالحقّ في الحياة الكريمة يستوجب صون وطنٍ سيّد، مستقلّ، وآمنٍ يحمي جميع أبنائه. وهذا يتجلّى في جوهر تعليم يسوع حين قال: “وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا” (لو 22: 36). السّيف هنا ليس أداةً للاعتداء، بل هو رمزٌ للمسؤوليّة والجهوزيّة للدّفاع المشروع عن النّفس. فلنكن مسيحيّين أقوياء، نتمسّك بقِيَم المسيح لنحيا حياةً عزيزةً ترتكز على المحبّة وتستمرّ بسلام.

شاركها.
Exit mobile version