بينما تتركّز الأنظار في حرب الشّرق الأوسط اليوم على النّفط والقدرات العسكريّة، يبرز الماء العذب كعنصرٍ حيويّ لا يقلّ أهميّة في حسابات الدّول. وفي أجواء كهذه، لا يعود مستبعدًا أن تدخل منشآت حيويّة، كمعامل تحلية المياه وخزانات المياه ضمن دائرة التّهديد والخطر المتبادلين.
خطورة سلاح العطش
إنّ تدمير محطّةٍ واحدة كبرى سيؤدّي إلى حرمان ملايين السّكّان من المياه في غضون ساعات، ممّا قد يتسبّب في كارثةٍ إنسانيّةٍ لا يمكن احتواؤها بالوسائل التقليديّة. ويشير تقرير لمؤسسة “سيركل أوف بلو” المتخصّصة في شؤون المياه إلى أنّ أيّ هجومٍ ناجحٍ على هذه المنشآت سيؤدّي إلى شللٍ تامّ في الحياة الحضريّة والنّشاط الاقتصاديّ في المدن الكبرى مثل دبي والرّياض والدّوحة.
ونحن في لبنان نعرف معنى القلق على الماء. فلبنان يواجه أزمة مياهٍ حادّة ومستمرّة تثير قلقًا بالغًا لدى السّكّان والمزارعين، وتتفاقم بفعل عوامل مناخيّةٍ واقتصاديّةٍ وبنيةٍ تحتيّةٍ متهالكة.
وهكذا لا يعود الحديث عن الماء مسألةً تخصّ دولةً بدون أخرى، بل سؤالًا يؤرقنا جميعًا: كيف سنتصرّف لو خسرنا أبسط مقوّمات الحياة كالمياه والغذاء؟
الينبوع الّذي لا ينضب
يستحضر هذا المشهد المخيف نبوّة سفر الرّؤيا عن الأيّام الأخيرة، حين تفقد المياه عذوبتها وتتحوّل إلى “أفسنتين” مرّ غير صالح للشّرب، لتتحوّل بذلك من مصدرٍ للحياة إلى نذيرٍ للموت. (رؤيا 8: 11).
وسط هذه المخاوف يحضرني حوار يسوع مع المرأة السامريّة على البئر في السّامرة. يومئذٍ طلب منها ماءً للشّرب وفي الوقت عينه حوّل نظرها إلى ماءٍ من نوع آخر يحتاجه الإنسان. قال لها: “ولكنْ مَنْ يشربُ منْ الماءِ الّذي أُعطيهِ فلَنْ يعطشَ الى الأبدِ، بلِ الماءُ الّذي أُعطيهِ يصيرُ فيهِ ينبوعَ ماءٍ ينبعُ إلى حياةٍ أبديّةٍ”.
صحيحٌ، إنّه أمرٌ طبيعيٌّ أن يخاف الإنسان من فقدان المياه العذبة، لكن في الوقت عينه هل يلتفت إلى عطشه الرّوحيّ الدّاخليّ ويُحاول أن يرويه؟ فإن كان الإنسان يدفع المال الكثير ليؤمّن ماءً للشّرب، هل يعرف أنّ بإمكانه أن يستفيد من ماء الحياة مجّانًا؟ هذا ما وعد به يسوع: “أنا أُعْطي العَطْشانَ من ينبوعِ ماءِ الحياةِ مجَّانًا.”
من يلتفت إلى عطشه، ويشعر بحدّته، لا بدّ أن يتوجّه إلى من يروي ظمأه. قال المرنّم: “كَمَا يَشْتَاقُ الأيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ.” وحده الله الّذي أكرم البشريّة بالمياه، يُكرم الإنسان بماء الحياة وحياة لا تنتهي.


