“عقلك براسك اثنين بديروك!” كم من مرّة سمعنا هذه الحكمة الشعبيّة عن مدى قدرة المكر على التّأثير حتّى على من كان يتمتّع بكلّ ملكاته العقليّة!
وكم سمعنا أيضا عن شخصيّة “المفتن” الّذي يطلَق عليه في التّعبير الشعبيّ “خرّاب البيوت” الّذي يلقي الخصام والعداوة بين الأصدقاء والإخوة وأفراد البيت الواحد ويزرع بذور الشّقاق لإهلاك النّاس وتخريب المجتمع. هذا عمل الشّيطان وأزلامه من أرواحٍ شرّيرة وبشرٍ أشرار.
يُخبِر البعض أنّ رجلًا شيطانيًّا وصل ذات يوم إلى قرية جبليّة. كان داهيةً قلبه أسود كقلب مجرم كافر لا يتوانى عن سوق النّاس الى حتوفهم. ذات يومٍ في عزّ الصّيف، قام هذا الرّجل الشرّير وأقنع مجموعةً من الفتيان بمرافقته والصّعود إلى قمّة جبلٍ مرتفعٍ حيث أصبحوا فوق مستوى الضّباب الكثيف إذ سحرهم وأقنعهم بأنّ ما يُشاهدونه هو البحر المليء بالأسماك فإذا قفزوا وسطه سيظفرون بأعدادٍ هائلةٍ منها، فاقتنع هؤلاء المساكين.
عندما وصلوا الى قمّة الجبل، توقّفوا في مكانٍ يشبه الشّرفة الّتي تطلّ على بحر من الغطيطة البيضاء وقد حجب رؤية الوادي تحتهم. طلب الرّجل من الفتيان القفز لالتقاط السّمك. وهكذا ابتدأوا يقفزون الواحد تلو الآخر في ما ظنّوه اليمّ.
قفز الأوّل فشجّ رأسه وأخذ يصرخ: آخ يا راسي! سمعه رفاقه وأخذوا يتساءلون: ماذا قال؟ ماذا قال؟ فأجابهم الرّجل المفتن: صديقكم يناديكم قائلًا أنّ السمك كثير. قفز الثّاني فهبط على صخرةٍ وكسر ذراعه وأخذ يصرخ قائلًا: آخ يا إيدي آخ يا إيدي! فقال الرّجل المحتال للأولاد الآخرين: إنّه يقول أنّ السمك جربيدي …
ثمّ قفز الثّالث فكسر ظهره على صخرة مدبّبة وصرخ: آخ يا ظهري آخ يا ظهري… وكان الفتيان بالكاد يسمعون تأوّهات صديقهم، فسألوا الرّجل المفتن عمّا سمعوه. فقال لهم: إنّه يقول أنّ السمك نهريّ! وقفز الرابع فهبط على كتفه فأخذ يصرخ: آخ يا كتفي آخ يا كتفي!! فقال الرّجل الداهية للباقين: الهيئة السّمك “كثير مش نتفة”. وهكذا قفز الخامس فإذا به يفلق صدره على صخرة مسنّنة وأخذ يصرخ: آخ يا صدري آخ يا صدري فقال الرّجل للأولاد إنّه يقول: السمك لقّز صخريّ! وظلّ يحثّهم هكذا حتّى سقطوا جميعا فأخذوا يئنّون بأصواتٍ واهنة، حتّى لفظوا أنفاسهم.
عاد الرجل المفتري، صاحب الفتن أدراجه وهو يسخر من غباء الفتيان بعد أن شفى غليله المريض وتركهم يواجهون الموت قاصفًا أعمارهم الفتيّة ونفّذ بهم مجزرة لا مثيل لها!
هذا ما يحصل تقريبًا في كلّ أنحاء العالم حيث قوى الظّلمة تخدع الأبرياء السذّج وتصوّر لهم الأحلام الورديّة والأوهام المتنوّعة كحقائق وهي بالحقيقة لا تفعل سوى أنّها تحفر لهم قبورهم وبدل أن يأكلوا السّمك تأكلهم المنايا! أخطر تحذير تركه لنا يسوع هو من فعل إبليس المُضلّل الكذّاب الّذي كان قتّالًا للناس منذ البدء (يو 8: 44). إحذره لئلّا تصير من ضحاياه.

