بوليكاربوس أسقف سميرنا، أو إزمير على السّاحل الغربيّ لتركيا الحاليّة. هو أحد أهمّ الآباء الّرسوليّين وقد لعِبَ دورًا محوريًّا في تاريخ الكنيسة المبكر. إسمه يونانيّ ومؤلّف من كلمتين polys وتعني الكثير و karpos وتعني الثّمر. وبالتّالي يكون اسمه “كثير الثّمر”. وكان بالحقيقة “اسمًا على مُسمّى”. وُلِدَ بوليكاربوس حوالي العام 69 م. آمن في شبابه المبكر في المسيح ولا نعرف من بشّره، لكن معروف أنّه تتلمذ على يد يوحنّا الرّسول الّذي كان مُعلّمه ومرشده الروحيّ. وكان صديقًا لإغناطيوس الأنطاكيّ ومُعلّمًا لإيريناوس، أسقف ليون، الّذي قال عنه أنّه كان يجلس عند قدَمَي يوحنّا ويتتلمذ على يديه ويحفظ جميع ما قاله عن يسوع ويُكرّره بدقّة.
اشتهر بوليكاربوس بدفاعه القويّ عن الإيمان المسيحيّ. تصدّى للغنوصيّين وبينهم الهرطوقيّ ماركيون الّذي شكّك بالكثير من أسفار الكتاب المقدّس وعلّم بوجود إلهين ورفض تجسّد المسيح. يُحكى أنّه عندما التقى ماركيون سأله هذا الأخير: “أما تعرفني؟” فأجابه بوليكاربوس: “نعم أعرفك. أنت ابن إبليس البكر!”
كان بوليكاربوس أسقفًا لكنيسة سميرنا لسنين عديدة وكان له تأثيرٌ كبيرٌ على المسيحيّين في القرن الثّاني. زار روما لحلّ الخلاف مع كنيستها حول توقيت عيد الفصح. وحضّ بوليكاربوس أهل فيليبي برسالة كتبها لهم يُذكّرهم فيها برسالة بولس الرّسول وكتابات أخرى من العهد الجديد ويحضّهم على حياة الفضيلة والأعمال الصّالحة والثّبات إلى الموت لو لزم الأمر، وذلك لأنّهم نالوا الخلاص بالإيمان بالمسيح. وهو بدوره كان أمينًا وثابتًا في الإيمان وفي مواقفه في زمن اضطّهاد كَثُرَ فيه الإرتداد والتّنكّر للمسيح.
يُخلّد التّاريخ قصّة استشهاده البطوليّة. وتُعتبَر واحدة من أولى وأهمّ سِيَر الشّهداء المسيحيّين. كان بوليكاربوس آنذاك قد تجاوز سنّ السّادسة والثّمانين. وكان يُعتبَر زعيم المسيحيّين في منطقته. وإثر اندلاع موجة اضطّهادات شنّها الأمبراطور أنطونيوس بيوس أو ماركوس أوريليوس وُشِيَ ببوليكاربوس وألقِيَ القبض عليه. وأمام الوالي طُلِبَ منه أن يتراجع عن إيمانه ويُنكِر المسيح ويعترف بقيصر روما أنّه ربّه الوحيد. أصرّ بوليكاربوس على إيمانه واعترافه بالمسيح وقال أنّه لن يُنكِر سيّده الّذي كان أمينًا معه طوال عمره. واشتهر عنه جملته المشهورة: “ستّة وثمانون عامًا خدمته، ولم يفعل لي شرًّا، فكيف أُجدّف على ملكي الّذي خلّصني؟”
ويُقال أنّه كان في تلك اللحظة أسير قول المسيح له، وهو ملاك كنيسة سميرنا، الّذي قال له الربّ في سفر الرّؤيا: “كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ.” رفض بوليكاربوس بشجاعة أن يربطه الجنود إلى العامود قائلًا أنّه يبقى ثابتًا إلى العامود بدون أن يربطوه. وهكذا استشهد بوليكاربوس في العام 155 م. وصارت قصّة حياته واستشهاده، المدوّنة في أقدم وثيقة تاريخيّة خارج العهد الجديد وعُرِفت باسم “استشهاد بوليكاربوس”، صارت مصدر إلهامٍ وتشجيعٍ للمؤمنين ليثبتوا ويبقوا أمناء لمخلّصهم وربّهم يسوع المسيح في أزمنة الضّيق والإضطّهاد.

