يحّل عيد ميلاد المسيح كلّ عامٍ في عالمٍ مثقلٍ بالأسئلة والعوامل المقلقة. إنّه عالم يعرف التّعب أكثر ممّا يعرف الإحتفال. ومع ذلك، تعترف جميع الشّعوب بهذا الحدث التّاريخيّ، الّذي لم يتمّ في ظروف مثاليّة، بل وسط واقعٍ يشبه واقعنا اليوم. كان العالم يومئذٍ يُعاني من الفقر والاضطّرابات السّياسيّة، وكانت رحلةً شاقّةً لأسرةٍ فقيرةٍ تبحث عن مأوى حيث تلد الأمّ طفلها.
لم يكن ميلاد السيّد المسيح حدثًا منفصلًا عن حياة النّاس. بل جاء في قلبها. وُلِد َالطّفل في مكانٍ متواضعٍ بعيدًا عن القصور. وكأنّ الأناجيل تعلّمنا أنّ اكتمال الفرح لا ينتظر اكتمال الشّروط. فالفرح يولد حيث يوجد الإنسان. لهذا ،كان الرّعاة البسطاء المنسيّون أوّل من سمع خبر الميلاد في إشارة إلى أنّ الرّسالة موجّهة للجميع بدون استثناء.
في الإيمان المسيحيّ لا يُفهم الميلاد كقصّة عاطفيّه فقط، بل كإعلان قرب الله من الإنسان. ويعبّر الإنجيل عن ذلك بعبارةٍ موجزة: “والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا.” (يو 1: 14) . نعم، جاء ابن الإنسان ليشارك البشر مصيرهم، وليفتح أمامهم طريق الخلاص، لا بالقوّة أو الإكراه؛ بل بالمحبّة والطّاعة حتّى الموت .
فبتجسّد المسيح كانت خطة الله الّتي تهدف الى استرداد الإنسان، وإعادة معنى الحياة وضمان الرّجاء للبشر، بما يتجاوز حدود الزّمن والموت. من هنا يصبح الميلاد دعوة الى الفرح الرّوحيّ والواقعيّ في آن. الفرح الّذي لا ينكر الألم، لكنّه لا يستسلم له. إنّه فرح يقوم على الرّجاء وبأنّ النور يمكن أن يولد حتّى في أحلك الليالي ظلمة .فالميلاد في جوهره هو وعدٌ بأنّ الله لم ولن يترك الإنسان وحيدًا، بل افتتح في المسيح طريق الحياة الأبديّة لكلّ من يقبل هذا النّور. فلنشكر الرّبّ على تدبيره الخلاصيّ لبني البشر، ونؤمن به ونُمجّده.

