من السّهل جدّاً أن نعتاد على التّفاصيل التّقليديّة لقصّة ميلاد يسوع حتّى نفقد جوهر معناها العظيم. والحقيقة هي أنّ كلّ ما نقرأه عن ميلاد يسوع يفيض بالمعاني والتّطبيقات العميقة. ولعلّ كلمات المجوس تبرُز بوضوحٍ مدهشٍ من بين صفحات الكتاب المقدّس: “أتينا لنسجدَ له”. إنّ رغبتهم الصّادقة في السّجود للطّفل يسوع ليست مُلهِمَةً فحسب، بل هي دعوةٌ لمراجعة الذّات؛ فقد كسر هؤلاء كلّ القواعد وحطّموا كلّ الأعراف السّائدة، ليقدّموا لنا نموذجًا حيًّا في معنى “العبادة الرّوحيّة”.
التّواضع في العبادة
كان هؤلاء الرّجال يمثّلون النّخبة؛ إنّهم أحكم الحكماء وأغنى الأغنياء. ورغم الغموض الّذي يحيط بهوّيتهم، إلّا أّن إجماع المؤرّخين والتّقاليد المسيحيّة يُشير إلى أنّهم كانوا رجالاً عظماء. ويرى الكثيرون فيهم “ملوكاً”، مستندين إلى ما جاء في النّبوّة في المزمور 72 “مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً. وَتَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ”.
وعلى أيّ حال، يمكننا الجزم بأنّهم كانوا من طراز الرّجال الرفيع، تماماً كالفئة الّتي كان ينتمي إليها دانيال النبيّ الّذي تنبّأ عن مجيء المسيح. أمّا الذين يحاولون حصر صفتهم في كونهم “مُجرّد مُنجّمين”، فعليهم أن يقبلوا حقيقة أنّهم لم يأتوا ليسجدوا لنجم، بل أتوا ليسجدوا للملك الطّفل يسوع.
التّطبيق هنا جليّ: لا وجود لإنساٍن في مكانةٍ أسمى من أن “يجثوَ ويسجدَ ليسوع”. إنّ الكبرياء هو آفة الجنس البشريّ، وهو الّذي يمنع الغنيّ والفقير على حدٍّ سواءٍ من قبول المسيح وعبادته. إنّه الخطيّة الّتي طردت لوسيفر من السّماء، وهي ما يجب تجنّبه بأيّ ثمن.
الإصرار والمثابرة
كان المجوس “مثابرين” في سعيهم. لقد جاءوا بنيّةٍ واحدة: أن يسجدوا له، ولم يقبلوا بأيّ بديل. قطعوا مئات الأميال في رحلةٍ استغرقت ربما عامين، قادمينَ من بابل أو بلاد فارس. لم تردعهم المسافات، ولم تثنِهم العقبات أو الملهيات عن البحث عن المسيّا والسّجود له.
الشّهادة العلنيّة
لم تكن رغبتهم في عبادة يسوع سرًّا مكتومًا، ولم تكن مجرّد “تجربة شخصيّة” أو طقسًا يُمارس لمرّة واحدة في الأسبوع. بل أعلنوا عن هدفهم علانيّةً وبلا خجل، حتّى في حضرة الملك هيرودس الماكر وبلاطه.
يذكّرني هذا بمشهدٍ تابعته مع زوجتي مؤخّراً لرياضيٍّ بارزٍ قدّم أداءً مذهلاً على مسرحٍ عالميّ، وفي مقابلٍة معه، أعلن بكلّ رُقِيٍّ وإخلاصٍ إيمانه بيسوع المسيح. لم تكن عبادته مجرّد شأنٍ خاصّ، بل كانت شهادةً علنيّةً استفاد منها الملايين من الشّباب حول العالم.
العبادة الأصيلة
كانت عبادتهم “أصيلة” وغير مُقيّدة بالقوالب الجامدة؛ فقد تميّزوا عن النّظام الدّينيّ السّائد، ولم يسعوا لنيل موافقة رجال الدّين اليهود، بل تركوهم خلفهم غارقين في شكوكهم. تأكّد دائمًا أن يكون يسوع هو مرجعك النّهائيّ، لا “الثّقافة المسيحيّة الفرعيّة” ولا حتى مُجرّد الانتماء الشّكليّ للكنيسة، وإلّا فقدت طريقك.
السّخاء في العطاء
كانت عبادتهم “سخيّة”؛ فقد قدّموا هدايا ثمينة للطّفل يسوع، وهي الممارسة الّتي أرست حجر الأساس لتقليد تقديم الهدايا في عيد الميلاد حتّى يومنا هذا. لم تكن عبادتهم مجرّد كلمات تسبيح بلا ثمن، أو إعجابًا بلا مشاركةٍ فعليّة.
هناك الكثير مما يمكن قوله عن هؤلاء الزوّار الغامضين القادمين من الشّرق. لكنّ الأهمّ من ذلك، هو أنّهم دشّنوا عصرًا جديدًا أثّر في تاريخ “الأمم” بأكمله إلى الأبد. فليكن نموذجهم الملهم والحيوي حافزًا لنا لتبنّي نهجٍ جديدٍ لعبادة يسوع في حياتنا اليوم.

