عُرِفَت تجارة العبيد، في كلّ الأمم وعبر التّاريخ من العصور القديمة وحتّى نهاية القرن التّاسع عشر. وقد عاشوا حياةً قاسية. والعبد ينتظر، طوال عمره، سيّدًا يدفع ثمنه مقابل تحريره من قساوة عيشه. ولكن نادِرًا ما يتحقّق إطلاق العبيد نحو الحرّية، لأنّ الأسياد تشتري العبيد لخدمتهم. غير أنّ الولايات المتّحدة، وبعد إعلان استقلالها، قد سعت لإلغاء تجارة العبيد. وفي العام 1926، عقدت عصبة الأمم مؤتمرًا دوليًّا ونجحت في إصدار “الاتفاقيّة الخاصّة بالرّق” (Slavery Convention)الّتي منعت تجارة العبيد وألغت شتّى أشكال العبوديّة والرّق.
أمّا في القرن الواحد والعشرين، فيختلف المشهد. هناك عبوديّة من نوعٍ آخر. فمَن حُسِبَ مِن عداد الأحرار، يعرض الآن نفسه للبيع. فما الصّفة الّتي تُطلَق على أناسٍ قدَّموا أنفسهم بكامل إرادتهم للرّق؟ ألم يعيدوا صورة شراء العبيد للأذهان؟ فمَن ذا الّذي يستطيع أن يُعتِقَ هؤلاء النّاس؟
فكثيرون يشبهون الموظّف راجي الّذي يعيش رازحًا تحت كمٍّ هائلٍ من الدّيون في متجر الأدوية والحانوت والمدارس. وما زاد الوضع سوءًا حين قرّر تسديد ديونه بسحب قرض مصرفيّ، ففي أوّل سنة فرح بشطب حسابه المتراكم، ولكن حين بدأ العام الدّراسيّ الجديد وجد نفسه واقعًا تحت وطأة تسديد القسط المصرفيّ والدّفعة الشّهريّة في المدارس وفاتورة أدويته. فاضطرَّ لسحب قرضٍ آخر. وهكذا دخل في دوّامةٍ لا تنتهي. ثمّ بدأ يعمل بعد الدّوام الرّسميّ، فأُنهك جسده وغاب عن أولاده. ومع أنّ زوجته كانت تعمل أيضًا، لم يستطيعا أن يخرجا من تلك الحلقة المفرغة، فاستعبدا لتأمين المستحقّات المتوجّبة عليهما.
من جهةٍ ثانية، يغيب الشّباب عن عالم الواقع بجلوسهم وقتًا طويلًا أمام شاشاتهم حيث يشتبكون بالخوارزميّات فيتيهون بين مَن يفهم ويجيد التّعامل معها ومن يجاهد ليفهمها وفي كلتا الحالتين يقيّدون بسلاسل “الاستعباد النّاعم” كما أطلق أحدهم عليها هذه التّسميّة. كيف لا ولم يستطع أحد اكتشاف قيده؟ وبعد، من يكفل عدم تقييد حرّيتهم الفكريّة؟
بالتّساوي مع معظم الفتيات، أُسِرَت سعاد بالدّعايات الالكترونيّة والعروض المتكرّرة الّتي أغرتها وجذبت عيونها لتُسارع وتطلب ما كانت تحتاجه وما لم تكن بحاجته. وككلّ مرّة كانت تستنفذ كلّ راتبها قبل نهاية الشّهر. ولكنّ هذا لم يعدّل من عاداتها بل كانت تستدين من رفيقاتها لتستمرّ بالطّلب والشّراء بالمقابل، يمتاز الإنسان الحرّ بكرامة وعزّة نفس، وهي وقود تدفعه نحو الابداع والابتكار والنّجاح. ولكن إنْ جنح نحو التّذلُّل فماذا يتبقّى له من كينونته؟.
لقد عاش يهوذا الاسخريوطيّ مع يسوع المسيح مدّة تتجاوز الثّلاث سنوات. لقد شاهد أعماله، وعاش تجربة إجراء المعجزات برفقة باقي التّلاميذ، ولكن استحواز فكرة امتلاك المال على عقله قويت على وفائه لسيّده ومعلّمه. وكما وثّق الحدث إنجيل متّى بالعبارات التّالية: “حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ.” فاغتنم أوّل فرصةٍ وسلّم يسوع لليهود مقابل مبلغٍ زهيدٍ من المال يُساوي ثمنَ عبدٍ أو أجرَ أربعة أشهرٍ لعاملٍ. ونتيجةً لإدراكه بأنّ عملَه مُشينٌ، ندم وأرجع الفضّة ثمّ خنق نفسه فمات.
بناءً على ما تقدَّم، لا يمكن للإنسان الطّبيعي أن يُكمل حياته بالهوان والذّلّ. فمن مقوّمات الاستمرار في العيش، أن يتمتّع الإنسان بالعزّة فيرفض الخضوع للمهانة والمذلّة حتّى ولو كان فقيرًا، وأن ينال الرّفعة بين أفراد المجتمع فلا يتلطّخ بدنس المال، بل يجدّ في إثر تحقيق الحياة الكريمة.
فحذارِ الوقوع في فخاخ، ظاهرها سهل غشّاش، بيد أنّ مضمونها شرك يستحيل الخروج منه بدون طبعٍ وصمة عارٍ وهوان.

