من هم الصّعاليك؟ إنّهم تيّار نشأ في الجاهليّة من شعراء مثقّفين زاهدين وفرسان شجعان فضّلوا الحريّة القاسية على العبوديّة النّاعمة. هؤلاء عاشوا، كروبن هود الإنكليزيّ، على سلب الأغنياء الظّالمين لإطعام الفقراء المظلومين.
تميّز هؤلاء الأبطال التّراجيديّين بقدرات جسديّة فائقة وبفصاحة البلاغة كما في “لاميّة العرب” للشّاعر الشّنفرى الّذي جسّد فيها فلسفة التّمرّد على الجور والاعتزاز بالنّفس. حيث أعلن في أبياته قطيعته مع قبيلته الظّالمة مستبدلاً إيّاهم بوحوش الصّحراء الّتي رآها أوفى من البشر. وتميّزت قصيدته، الّتي سُمّيت باللاميّة لانتهاء أبياتها بحرف اللام، بوصفٍ أسطوريّ لصبر الصّعلوك على الضّيق والفاقة، وتفضيله الموت جوعًا على الذلّ. وهكذا صارت قصيدته مرجعًا فصيحًا لروح الصّحراء وقِيَم النّبل والشّهامة، وهو ما يظهر جليًّا في مطلع قصيدته: “وَفِي الأَرْضِ مَنْأَى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى… وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ”. (القِلَى: البُغض والكراهية.)
أمّا في اللغة العاميّة اللبنانيّة المعاصرة، فقد تحوّل المصطلح من وصف “الثّائر الشّريف” لوصف إنسانٍ هامشيّ، نكرة فكريًّا وأخلاقيًّا ولا قيمة له اجتماعيًّا. إنّه شخصٌ متلوّنٌ ومتملّقٌ ووصوليٌّ وإنتهزايٌّ يفتقر للمروءة وللأخلاق النّبيلة والأهداف السّامية. فهو إنسانٌ نفعيٌّ يلهث وراء المادّة والمكانة. يتسلّل إلى قلب الدّوائر القياديّة ليقتات على مقدّراتها، ومن ثمّ ينقلب عليها ويغدر بها بوضاعة.
إنّنا نعيش اليوم في عصر “صعاليك السّلالم”. هؤلاء الّذين يتعاملون مع النّاس من حولهم كدرجاتٍ خشبيّة يتسلّقونها للوصول إلى مآربهم. تجدهم في كلّ زاوية: في أروقة الأحزاب والسّلطة يرتدون جلود الحرباء. في عالم الأكاديميا والفنون يسرقون جهد المفكرين والمبدعين وينسبونه لأنفسهم. في عالم الصّحافة والإعلام يكذبون ويتزلّفون ويبيعون ضمائرهم للوصول إلى الشّهرة والمال. وفي الهيئات الدّينيّة والتّربويّة يرتدون مسوح التّقوى والأدب لتمرير مآربهم الشّخصيّة الدّنيئة.
هؤلاء بارعون في “الدّهاء الدّنيء” حيث لا كفاءة حقيقيّة تؤهّلهم، فيستعيضون عنها ببهلوانيّة “اللعب على الحبال” والصّعود بأقدامهم على أكتاف الآخرين. إنّهم يهمسون لكلّ طرفٍ بما يرضيه وبما يلمّع صورتهم. وعند الملمّات والمظالم لا يأخذون موقفًا وينتظرون انجلاء المعارك ليقفوا في صفّ المنتصر، مدّعين أنّهم كانوا جنوده المجهولين.
أخطر ما في هؤلاء هو “سيكولوجيّة الخيانة والغدر”. فهم لا يغدرون بخصومهم، لأنّهم أجبن من المواجهة، بل يغدرون بـ”أولياء نعمتهم”. يبقى نموذج “يهوذا الإسخريوطيّ” هو مثالهم الأبرز الّذي يتكرّر في كلّ صعلوك يبيع الولاء والثّقة من أجل “ثلاثين من الفضّة” دنيئة. يأكلون من “لقمة” سادتهم ويستخدمون “قُبلة” الودّ الغاشّة ليدلّوا الأعداء للإنقضاض على من آواهم وعلّمهم. هؤلاء يُمارسون استراتيجيّة “حرق الجسور” بعد العبور، لكي لا يُذَكّرهُم أحدٌ بماضيهم الوضيع.
ومن يقف مع الصّعاليك ويُساندهم، عليه أن يذكر أنّ من يغدر بأصدقائه ومُعلّميه السّابقين سيغدر بهم يومًا ما. ومن يبالغ في مديحهم اليوم سيجهّز خنجره ليطعنهم غدًا. صعاليك هذه الأيّام يسكنون المناطق الرّماديّة حيث يسهل الاحتيال وتغيب المحاسبة. أمّا نهايتهم فهي دائمًا مأساويّة.
فنهاية “الصّعلوك الوصوليّ” هي الإرتطام الحتميّ بصخر الأخلاق حيث تنهار مكائده ويسقط سقوطًا مدويًا لا يجد فيه يداً لانتشاله. وما ناله من جاه مؤقت بـ”شطارة” ملتوية، سيتبدّد كالضّباب تحت أشعّة شمس الحقيقة. وما جمعه من مال سيخسره عند وصوله إلى قمّة الوهم حيث يكتشف أنّه خسر نفسه.
وفي خاتمة الأمر، بينما يُخلّد الكريم بذكراه، يخرج الوصوليّ من الباب الضيّق للتاريخ، مثقلاً بإفلاسٍ أخلاقيّ يمحو أثره ويجعل من سيرته مجرّد قصّةٍ للاعتبار لا للإكبار.

