يقودنا يسوع في التّطويبات الستّ السّابقة من الفقر بالرّوح، والحزن على الخطيّة، إلى الوداعة والجوع والعطش إلى البرّ، ثمّ الرّحمة ونقاوة القلب. إنّها رحلة تغيّر الإنسان من الدّاخل. وفي التّطويبة السّابعة، ينتقل يسوع من عمل الله في القلب إلى ما يفعله القلب في حياة الآخرين. فالّذي اختبر رحمة الله وسلامه لا يكتفي بأن يعيش في سلام، بل يصير أداةً لصنعه: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ”. (متى 5: 9).
السّلام: من الاختبار إلى الرسالة
صانع السّلام ليس مجرّد محبّ للسّكينة، بل هو إنسانٌ يبادر إلى إصلاح ما انكسر، وردم الفجوات، وإطفاء نار الخصام. وهو يتمسّك بشعار بولس الرّسول: “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ”. وصنع السّلام لا يعني الهروب من الصّراع أو التّنازل عن الحقّ، بل الدّخول إليه بمحبّةٍ وشجاعةٍ وحكمة. وهو يحتاج إلى حكمة سماويّة وصفها يعقوب أخو الربّ: “الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلًا طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ”.
وهذه الرّسالة تبدأ من الدّاخل. فنحن لا نستطيع أن نعطي ما لم نختبره. عندما يصالحنا الله بالمسيح، يصير لنا “سَلَامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”. الله هو إله السّلام، والإنسان البعيد عنه يعيش كالبحر المضطّرب. لذلك نطلب من الله السّلام، لكنّ الصّلاة لا تعني الانسحاب السّلبيّ، بل تدفعنا إلى العمل: “اِتْبَعُوا السَّلَامَ مَعَ الْجَمِيعِ”. فصانع السّلام لا يشتري الهدوء على حساب الحقيقة، ولا يسعى إلى إرضاء الجميع، بل يسعى إلى مصالحةٍ تجمع الحقّ والمحبّة. ومن ينخرط في صنع السّلام بين النّاس، فهذا يُدعى ابنًا لله، لأنّه يعكس طبيعة أبيه السّماويّ ويتشبّه بالمسيح، رئيس السّلام.
المسيح وصانعو السّلام
المسيح هو صانع السّلام الأعظم. لقد صالح الإنسان بالله “بِدَمِ صَلِيبِهِ”، وصار “هُوَ سَلَامُنَا”، ثم سلّمنا “خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ” لنكون سفراء سلام بين النّاس. ويظهر أثر المسيح في سلوك المؤمن، فهو يبادر بدل أن ينتظر، ويسمع بدل أن يحكم بسرعة، ويغفر بدل أن يتمسّك بكبريائه، ويبني الجسور بدل أن يوسّع الهوّة. ويحمل “إِنْجِيلَ السَّلَامِ” إلى عالم يحتاج إلى المصالحة.
ومن التّاريخ المقدّس تبرز أبيجايل مثالًا لصانعة السّلام. فقد تدخّلت بحكمةٍ ومنعت داود من الانتقام من نابال، فباركها داود قائلًا: “مُبَارَكٌ عَقْلُكِ وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ، لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ أَتْيَانِ الدِّمَاءِ”. لقد رأت الخطر قبل أن يكبر، ودخلت إلى مساحة الّنزاع لتفتح طريقًا للسّلام.
وفي التّاريخ الحديث، يمثّل القسّ إيان بايزلي مثالًا آخر لصناعة السّلام، إذ ساهم في إنهاء الصّراع بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشّماليّة عبر اتّفاق سانت أندروز عام 2006. كما لخّص مارتن لوثر كينغ ضرورة السّلام بقوله: “علينا أن نتعلّم العيش معًا كإخوة، أو الفناء معًا كأغبياء”. ونحن كلبنانيّين أحوج ما نكون إلى هذا الدّرس في وطن أنهكته الانقسامات والخصومات اللامتناهية.
الحاجة إلى صانعي السّلام وكلفة المبادرة
نحن نعيش في عالمٍ تزداد فيه الحروب والانقسامات وخطاب الكراهية، وفي بيوتنا وكنائسنا ومجتمعاتنا حاجة إلى من يبني الجسور. لكنّ صنع السّلام ليس طريقًا مريحًا. قد يُساء فهم صانع السّلام، ويُتَّهم بالتّحيُّز أو الخيانة، وقد يخسر راحته ووقته وسمعته، بل قد يعرّض نفسه للخطر، كما يقول المثل اللبنانيّ: “المُصلِح له ثلثي القتلة”. وهذا ما عبّر عنه صاحب المزمور: “أَنَا سَلَامٌ، وَحِينَ أَتَكَلَّمُ فَهُمْ لِلْحَرْبِ”. فهو يريد السّلام، لكنّ الّذين حوله يريدون الحرب. وقد دفع المسيح أعظم ثمنٍ للمصالحة، فلم يصنع سلامنا بالكلام، بل بدمه.
إنّ “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ” ليست دعوة إلى الهروب من الصّراع أو إرضاء الجميع، بل إلى الدّخول في وجع المصالحة بروح المسيح. طوبى لمن يسكن سلام الله قلبه، ثم ينقله إلى بيته وكنيسته ومجتمعه ووطنه. طوبى لمن لا يكتفي بأن يقول: “ليكن سلام”، بل يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل أنا لأصنع السّلام؟
وإذ يفشل البعض بسبب العقبات الّتي تواجههم في صناعة السّلام، لنعلم أن صانع السّلام لا يضيع جهده: “وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلَامِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلَامَ”. فطوبى لمن يصنع السّلام، يكفيه أن يكون بين هؤلاء الّذين “أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ”، لأنّهم يتشبّهون بأبيهم السّماويّ وبابن الله، رئيس السّلام.
في عالم يزداد اضطّرابًا وانقسامًا، يبقى السّؤال: هل نزيد الانقسام أم نبني الجسور؟ هل نطفئ نار الخصام أم نؤجّجها؟ ليت الربّ يجعلنا صانعي سلام، نقتدي بالمسيح، فاعل السّلام، فيكون لنا أعظم مكافأةٍ من إله السّلام.

