من يتحمّل مسؤوليّة الأذى؟
إنّ ظاهرة الإنسان الفاقد للشّعور الإجتماعيّ والمسؤوليّة المدنيّة في المحافظة على سلامة الآخرين والممتلكات هي آفةٌ تأكل مجتمعنا وتدمّره إنسانيًّا وأخلاقيًّا. التّصرّفات الشّاذّة موجودةٌ في المجتمع الّذي يبدو عاجزًا عن معالجتها بدون معونة النّعمة الإلهيّة. قرأت لتوّي هذا الخبر الوارد في أحد المواقع الإخبارية: “إصابة سيّدة في أذنها في طرابلس ممّا أسفر عن تمزّق طبلة أذنها وحصول نزيف دم حادّ وذلك بعدما أقدم أحد المراهقين على رمي مفرقعة كبيرة داخل السيّارة الّتي كانت متواجدةً في داخلها”. هذه ليست حادثةً يتيمةً أو وليدة الصّدفة. فمشكلة المفرقعات النّاريّة وإطلاق الرّصاص قديمة والمآسي الّتي تسبّبها تتكرّر، ولا أحد يضع حدًّا لها.
ففي كلّ حيّ في بلدةٍ أو مدينةٍ تحصل حوادث مماثلة. أعود بالذّاكرة إلى سنواتٍ مضت عندما كان الفتيان يلهون بالمفرقعات في حيّنا فقام أحدهم وسدّد سهمًا ناريًّا على نافذةٍ مفتوحةٍ في شقّةٍ سكنيّةٍ مجاورة. تسبّب السّهم الملتهب باندلاع حريقٍ أتى على السّتائر وامتدّ ليَلْتَهم الصّالون بأكمله. ولكن من حسن الحظّ أنّ سكّان الشقّة كانوا في زيارة جيرانهم فأسرعوا لإطفاء الحريق وأنقذوا ما تبقّى. بالطّبع دفع ذوو المراهق الّذي رمى السّهم النّاريّ تكاليف التّصليحات واستبدال الأثاث.
وفي إحدى المدارس قام تلامذة الصفّ النّهائيّ في آخر نهارٍ دراسيّ بقذف الأسهم النّاريّة والمفرقعات القويّة على الطّوابق والصّفوف من الشّارع المحاذي. وكان من سوء حظّ أحد التّلامذة الّذي كان يشعل “مفرقعة الدّيك”، وهي المعروف عنها في لبنان أنّها الأقوى، أن انفجرت بين أصابعه قبل أن يرميها فبترت أصابع يده اليمنى وشوّهتها. وهكذا انتهى المزاح واللهو بمأساة لا لشيءٍ سوى أنّ نزعة العنف لدى الشبّان وفقدان التّربية المدنيّة واحترام القانون قد فاق كلّ تصوّر.
ولا ننسى التّصرّفات القاتلة الأخرى كإطلاق الرّصاص احتفالًا بنجاح طالب في الشّهادة الرسميّة أو في مناسباتٍ اجتماعيّة مختلفة. وهذه ما زالت تحصل في بلادنا على الرّغم من جميع الفتاوى والمواعظ. هذا غيض من فيض من حكايات الاستهتار بسلامة النّاس وممتلكاتهم. هل هذا نابعٌ من قلّة الذّوق والتّهذيب؟ أو هو الطّيش غير المسؤول؟
أين الحلّ لحماية البشر والمقتنيات من اعتداءات أناس مستهترين يلهون ويستمتعون بأذيّة الغير؟ الحلّ الوحيد لهذا الجنون يكمن في فرض منهاج تربية مدنيّة جديد يُعلَّم في جميع المدارس وتوسيع حملات التّوعية لخلق أجيالٍ جديدةٍ تتصرّف بأخلاقٍ وبمسؤوليّة. ويبقى على الدّولة وضع قوانين متشدّدة على استيراد المفرقعات وتصنيعها واستخدامها أسوةً بدول كثيرة تمنع استعمالها إلّا في مناسباٍت وطنيّةٍ معيّنةٍ تحت مراقبةٍ وشروطٍ قاسية.
وإذ كنت أفتكر بهذه الحوادث تذكّرت قولاً لسليمان الحكيم أراد فيه معالجة هذه المشكلة قبل ثلاثة ألاف سنة. فقال أنّ خلف هذه التّصرّفات جنونًا وعشوائيّةً وتهرّبًا من تحمّل المسؤوليّة: “مِثْلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي يَرْمِي نَارًا وَسِهَامًا وَمَوْتًا، هكَذَا الرَّجُلُ الْخَادِعُ قَرِيبَهُ وَيَقُولُ: أَلَمْ أَلْعَبْ أَنَا!” (أم 26: 19-20). كما يبدو أنّ النّاس لم يتغيّروا. لم يتعلّموا. هل من يتعّظ؟

