للعمل الحزبي فوائده التي لا يعرفها كثيرون، وهو يزداد جمالًا عندما نعرف أنّه يجمع بين الناس ويُقرّبهم بعضهم من بعض على قواسم فكريّة مشتركة وشعور بالانتماء إلى قضيّة أو مجتمع. البعض يخاف من الأحزاب، ولا يُلام الناس لذلك بخاصة أنْ ليس من يقول لهم ما هو الحزب السياسي من جهة، ومن جهة أخرى هناك حزبيّون يُشوّهون الحياة الحزبيّة حتى تصير لا تُطاق. أمّا الحزب السِّياسيّ فهو رابطة أشخاص اتَّفقوا في الرَّأي السِّياسيّ وانتظموا معًا بهدف أداء دور الوسيط بين المواطنين وصانعي القرار في الدَّولة من أجل تحصيل حقوقهم وتقدُّم المجتمع. ويسعى الحزبيّون إلى المشاركة في السُّلطة بتولِّيهم المناصب العامَّة لتحقيق أهدافهم في خدمة الخير العام.
وما زاد في عوامل ابتعاد الناس عن العمل السِّياسيِّ والحزبيِّ في بلادنا عوامل كثيرة منها: (1) تحوُّل الأحزاب منظَّمات شبه عسكريَّة استخدمت العنف على أشكاله في عملها؛ (2) رداءة حياة بعض السِّياسيِّين والحزبيّين والنَّاشطين في الشَّأن العام الَّذين ما انفكُّوا يُظهرون فسادهم وعدم التزامهم مبادئ أخلاقيَّة سامية؛ (3) عدم وجود أحزاب تعمل بإخلاص لتحقيق برامج تعود بالفائدة المباشرة على الإنسان والمجتمع. (4) خطيّة “التحزّب” التي يقع فيها بعض السّاعين إلى الوظائف السياسيّة والحزبيّة. فخطيّة هؤلاء تنطلق من الشعور بالتفوّق على الغير والرَّغبة في التقدم عليه بطرائق سيئة وملتوية وبروح مشاكسة وغير عادلة ومؤذية، كما قال أرسطو، وحذّر منه رسل المسيح. أمّا العمل الشريف ضمن فريق حزبيّ فيفرض نبذ الأنانيّة والكراهيّة وحبِّ التَّظاهر، وتبنّي سلوك أخلاقي رفيع مبنيّ على المحبّة والغيريّة حيث يكون السعي لمصلحة الآخرين والوطن لا الذات.
من الضروري لمن اتخذ الخيار بالانضمام إلى فريق حزبي ما، أن يعرف المبادئ السامية التي يجب أن يلتزمها لتبرير “حزبية” يُفاخر بها، وفي المقابل من المهم جدًّا للمحيطين به أو لمن يراقبونه أن يحاسبوه ويقاطعوه ويمتنعوا عن تأييده عندما يتحوّل أداؤه استعلائيًّا وعدائيًّا وسيئًّا. نعترف بأن ليس من سمة أهل هذه البلاد التميّز بروحيّة عمل الفريق ولا باحترام الحياة الحزبيّة السليمة بل يتميّزون بالأنانيّة والفرديّة والمزاجيّة التي تفتح أبواب الخلافات والانقسامات وأبواب جهنم علينا بلا حدود. أما ولادة الحزبيّة السليمة فتُبشّر بولادة عمل جدّي ينهض بالأمة والدولة ويزيد منسوب الأمل لدى الناس الذين عانوا الكثير حروبًا أهليّة وعشائرية وحزبيّة دمّرت الوطن وحرقت القلوب.

