يصعد يونانيّون إلى العيد في أورشليم ويطلبون أن يروا يسوع. إنّه طلب يفرح قلب الربّ. لكنّ الإنجيل لا يخبرنا لماذا أرادوا لقاءه. هل جاءوا ليسمعوا حكمته؟ أم ليروا معجزاته؟ أم ليطرحوا عليه أسئلتهم؟ وربما كانوا، رغم إرثهم الفلسفيّ العريق، قد أدركوا أنّ حكمة الإنسان وحدها لا تشبع أعمق ما في القلب، فتاقت نفوسهم إلى لقاء من سمعوا أنّه يتكلم بسلطانٍ ويمنح الرّجاء. وعلى خلاف زكّا الّذي يذكر عنه الإنجيل أنّه “طَلَبَ أَنْ يَرَى يَسُوعَ مَنْ هُوَ”، يبقى دافع هؤلاء اليونانيّين مجهولًا.

إلّا أنّ الإنجيل يلمّح إلى أنّهم كانوا رجالًا أتقياء صعدوا إلى أورشليم ليسجدوا في العيد، وربّما دفعهم ما سمعوه عن تعاليم يسوع وعجائبه إلى البحث عنه. فقد كان كثيرون ينجذبون إليه، حتّى إنّ الفريسيين قالوا بقلق: “الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!”

الطّريق إلى اللقاء الحقيقيّ

عندما أخبر أندراوس وفيلبّس يسوع أنّ اليونانيّين يريدون رؤيته، لم يكتفِ بالتّرحيب بهم، بل وجّه أنظارهم إلى قلب رسالته، فقال: “قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ… إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.”

أراد يسوع أن يعلن لهم أنّ معرفته الحقيقيّة لا تتمّ من خلال لقاء عابر مع معلّم حكيم، بل بالإيمان بفدائه وقيامته. فحبّة الحنطة الّتي تموت لتثمر كانت إعلانًا أنّ الصّليب هو الطّريق إلى الحياة الجديدة، وأنّ التّغيير الّذي يبحث عنه الإنسان لا تمنحه الحكمة البشريّة، بل يمنحه المسيح المصلوب والقائم.

اللقاء الّذي يثمر خدمةً

ثمّ انتقل يسوع إلى نتيجة هذا اللقاء: فالإيمان به لا يغيّر الفكر فقط، بل يغيّر الحياة. إنّه يقود إلى حياة التّضحية والتّكريس والإثمار، وينقل الإنسان من دائرة الاهتمام بنفسه إلى دائرة خدمة الله.

وهذا ما يوضحه الرّسول بولس، إذ يقول إنّنا خُلقنا في المسيح “لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.” فلقاء المسيح لا ينتهي عند اختبارٍ شخصيّ، بل يبدأ منه طريق جديد، تتحوّل فيه الحياة إلى رسالة، وتصبح الخدمة ثمرةً طبيعيّةً للقلب الّذي جدّده الله.

لعلّ هذا هو ما اكتشفه أولئك اليونانيّون عندما طلبوا أن يروا يسوع: فلقاؤه لا يضيف معلومةً إلى الذّهن فحسب، بل يفتح بابًا إلى حياة جديدة. فمن يقترب منه بالإيمان، يجد أنّ المسيح لا يغيّر نظرته إلى الحياة فقط، بل يغيّر الحياة نفسها، ويقودها إلى الثّمر والخدمة.

Author

شاركها.
Exit mobile version